الأسلوب الحكيم في حياة الإمام الحسن المجتبى (ع)

د. خالد عبد النبي عيدان الأسدي..
يُعدُّ الأسلوب الحكيم من الأساليب البلاغية الخطابية الرائعة التي تعني، تلقي المخاطب بغير ما يترقبه، أو إجابة السائل بغير ما يطلبه، بترك سؤاله والجواب عن سؤال لم يسأله ولكنه أولى به، ويهدف هذا الأسلوب إلى التربية، والتنبيه، والإيجاز، وإظهار الحكمة، وهو من أبرز الأساليب القرآنية والروائية والبيانية.
- حدُّه ومفهومه: هو نوع من أنواع المحسنات المعنوية، يعتمد على العدول عن المعنى الظاهر إلى معنى أعمق يراعي حال المخاطب.
- أركانه:
1– مُخاطَب (سائل) يتوقع إجابة معينة.
2– مُجيب (حكيم) يعدل عن الإجابة المباشرة.
3– إجابة تحمل الحكمة والأولى بالاعتبار.
* أنواعه في البلاغة: تلقي المخاطب بغير ما يترقب: مثل قوله تعالى: {يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ ۖ قُلْ مَا أَنفَقْتُم مِّنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ} (البقرة: 215)، حيث سألوا عن الكمية/ النوع، فأجابهم بمصرف النفقة، وتلقي السائل بغير ما يتطلب: مثل السؤال عن “الأهلة” (ظاهرة طبيعية) والجواب بـ”منافعها” (حكم شرعي وفائدة).
* أغراضه البلاغية والتربوية:
1– التنبيه: لفت نظر السائل إلى ما هو أهم.
2– الإصلاح والتربية: تصحيح مفاهيم السائل وتوجيهه للأولويات.
3– التخلص من الإحراج: الإجابة بذكاء لتفادي الصِدام أو الإحراج.
4– الإيجاز والبيان: تقديم الإجابة الأكثر إيضاحاً وفائدة.
ويُمثل الإمام الحسن بن علي المجتبى (عليه السلام) أنموذجاً فريداً في القيادة الإسلامية في حنكته المتعالية وأخلاقه العالية، حيث اتسم نهجه بـ”الحكمة الهادئة” التي تضع مصلحة الأمة العليا فوق كل اعتبار، فلم تكن حكمته مجرد ردود أفعال، بل كانت استراتيجية متكاملة للحفاظ على جوهر الدين وحقن دماء المسلمين وخلق توازنٍ بين أفراد المجتمع بالمنهج العملي.
أسباب استعمال الأسلوب الحكيم عند الإمام الحسن المجتبى (عليه السلام)
هناك مجموعة من الأسباب:
1- تقديم المصلحة العليا، (شجاعة القرار الصعب): يظن كثير من الناس، أن الشجاعة تكمن فقط في استلال السيوف، واقتحام الحروب، وليّ الأعناق، لكن الإمام الحسن المجتبى (عليه السلام) أثبت، أن الشجاعة في اتخاذ قرار السلام ونشر المحبَّة والمرحمة بمجابهة الأخلاق الرديئة، قد هذا الأمر يكون أصعب وأمرّ. في لحظة تأريخية فارقة، اختار “الصلح” وهذا ليس ضعفاً، بل بصيرةً؛ ليقينه أن استمرار الحرب سيؤدي إلى استئصال خلَّص الأمة وخيرة رجالها.
الحكمة هنا: القدرة على التمييز بين “النصر العسكري المؤقت” وبين “البقاء الاستراتيجي” للمبدأ، فانتهت الحروب وبقيَ الإمام الحسن (عليه السلام) بأسلوبه الحكيم إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.
2- الحلم وامتصاص الإساءة: لُقّب الإمام الحسن بـ”كريم أهل البيت”، ولم يكن كرمه محصوراً في المال فقط، بل كان كريماً في أخلاقه وحلمه. واجه الكثير من الجفاء، سواء من الأعداء أم من بعض الأصحاب الذين لم يستوعبوا عمق خطته السياسية، فكان يقابل الإساءة بالإحسان، والجهل بالحلم. فكانت من حِكَمِهِ التي لا توزن بمال: “إنّ الحلم زينة، والوفاء مروءة.”
3- الأسلوب التربوي والرفق أداة للتغيير: اتخذ الإمام المجتبى (عليه السلام) من التربية والرفق أداة لاستجلاب الآخر، وقد اشتهرت قصة تعامله مع الرجل الذي لم يُحسن الوضوء، حيث لم يواجهه بالتخطئة المباشرة التي تجرح الكبرياء، بل لجأ هو وأخوه الإمام الحسين (عليه السلام) إلى أسلوب المحاكاة التعليمية (الطلب من الرجل أن يحكم بين وضوئهما). الدرس والتربوي المستفاد منها: الحكمة في الدعوة تتطلب الرفق، فالتصحيح غير المباشر أسرع نفاذاً إلى القلوب من النقد اللاذع.
4- التوازن بين الزهد والمسؤولية الاجتماعية: عاش الإمام الحسن (عليه السلام) حياةً تميزت بالزهد الشخصي العميق، فقد قاسم الله ماله ثلاث مرات، وتصدق بماله كله مرتين. ومع ذلك، لم ينعزل عن المجتمع، بل كان مرجعاً للناس في شؤونهم، وملاذاً للفقراء، مما جعل من حكمته سلوكاً عملياً يراه الناس في إطعام الجائع وإغاثة الملهوف.



