اراء

حروب واشنطن.. الرواية السياسية “الكاذبة”

بقلم: يحيى الصادق..

 مشوار الولايات المتحدة مع مسلسل “الادّعاءات الكاذبة” طويل وقديم زمنياً. ففي معظم الحروب التي خاضتها ضدّ دول وشعوب خلال العقود الماضية، قدّمت الإدارات الأميركية روايات سياسية تضمّنت معطيات ثبت لاحقاً عدم دقّتها، استخدمت لتبرير تدخّلات عسكرية واسعة.

ولعلّ من أبرز الأمثلة التي لا تزال حاضرة في الذاكرة العالمية قضية أسلحة الدمار الشامل في العراق، والتي شكّلت الأساس السياسي للحصار الدولي ثمّ لغزو عام 2003، وهي حرب خلّفت كلفة بشرية ومادية هائلة على العراقيّين، إضافة إلى خسائر كبيرة في صفوف القوات الأميركية.

ومنذ انسحاب إدارة الرئيس دونالد ترامب في ولايته الأولى من الاتفاق النووي مع إيران عام 2018، عادت الاتهامات المتعلّقة بالبرنامج النووي الإيراني إلى واجهة الخطاب السياسي في واشنطن و”تل أبيب”. وتُطرح هذه الاتهامات في سياق تبرير العقوبات المشدّدة المفروضة على طهران، والضغط عليها سياسياً وأمنياً، في ظلّ صراع إقليمي معقّد يتداخل فيه الملف النووي مع ملفات النفوذ الإقليمي ودعم إيران لحلفائها في المنطقة.

في هذا السياق جاء تصريح المبعوث الأميركي ستيف ويتكوف الذي قال: إنّ إيران على بعد أسبوع واحد من إنتاج قنبلة نووية. غير أنّ تقديرات مماثلة تكرّرت خلال السنوات الماضية بصيغ متقاربة.

ففي تموز 2024 صرّح وزير الخارجية الأميركي آنذاك أنتوني بلينكن بأنّ الوقت اللازم لإيران لإنتاج كمية كافية من المواد الانشطارية قد يكون “أسبوعاً أو أسبوعين”، ثمّ أعقب ذلك في تشرين الأول من العام نفسه تصريح لمدير وكالة الاستخبارات المركزية أشار فيه إلى تقدير زمني مشابه. كما طُرحت تقديرات قريبة من ذلك في أعوام 2022 و2023، وما قبل. وهو ما أثار تساؤلات لدى مراقبين حول دقّة هذه التوقّعات ومدى تغيّرها بمرور الوقت.

وتكرّرت التحذيرات ذاتها قبيل التصعيد العسكري الذي شهدته المنطقة في حزيران الماضي. وفي خضمّ ذلك، أعلن المدير العامّ للوكالة الدولية للطاقة الذرية أنّ إيران لا تمتلك حالياً سلاحاً نووياً، لكنه أشار إلى أنّ لديها مخزوناً من المواد المخصّبة يمكن -نظرياً- أن يكفي لإنتاج عدد من القنابل إذا اتخذ قرار سياسي بذلك. هذا التباين بين الحديث عن “قدرة كامنة” وبين امتلاك سلاح فعلي ظلّ محور جدل سياسي وإعلامي واسع.

كلفة عالية

ورغم أنّ بعض هذه الروايات تعرّض لانتقادات واسعة في التجارب السابقة، فإنّ الجدل لا يزال يتجدّد مع كلّ أزمة. فالسياسات المبنية على تقديرات أمنية خاطئة أو مُبالَغ فيها قد تقود إلى حروب ذات كلفة مرتفعة.

في العراق، تكبّدت الولايات المتحدة أكثر من أربعة آلاف قتيل إضافة إلى آلاف الجرحى، فيما كانت الكلفة على العراقيين أكبر بكثير. وفي أفغانستان انتهى الوجود العسكري الأميركي بعد عقدين من القتال بخسائر بشرية ومادية كبيرة. كما واجهت واشنطن تجارب عسكرية صعبة في الصومال في تسعينيات القرن الماضي.

أمَّا في التصعيد الأخير في حزيران، فقد شهدت المنطقة ضربات متبادلة طالت منشآت ومواقع عسكرية، في مؤشر إلى أنّ أيّ مواجهة واسعة لن تكون محدودة التأثير. ويبدو أنّ التصريحات الأميركية المتكرّرة حول اقتراب إيران من امتلاك سلاح نووي تعكس أيضاً مستوى الإحباط من تعثّر المسار الدبلوماسي، وهو ما أشار إليه ويتكوف بقوله إنّ الرئيس ترامب يشعر بالاستياء من عدم استجابة طهران للمطالب الأميركية رغم الضغوط.

الإعلام والعجز الدولي

أدّت وسائل الإعلام دوراً محورياً في نقل الروايات الرسمية الأميركية والغربية، وإن بدرجات متفاوتة من التدقيق والتحليل.

فبينما اكتفى بعضها بإعادة نشر التصريحات، حاولت مؤسسات أخرى مقاربتها نقدياً، ولا سيما بعد تجربة العراق. وينطبق الأمر ذاته على تغطية النزاعات الأخرى في المنطقة، حيث يتهم منتقدون وسائل إعلام كبرى بتبنّي سرديات رسمية على حساب عرض روايات موازية.

أمَّا على مستوى المؤسسات الدولية، من مجلس الأمن إلى الوكالات الأممية المعنية بالسلام والأمن، فقد بدا تأثيرها محدوداً في منع اندلاع حروب كبرى أو في حسم الجدل حول الاتهامات المتبادلة. ففي حالة العراق، عارضت دول دائمة العضوية مثل فرنسا التدخّل العسكري، لكنّ ذلك لم يمنع وقوع الحرب.

في المحصّلة، يبقى الجدل حول البرنامج النووي الإيراني جزءاً من صراع أوسع على النفوذ والشرعية في النظام الدولي. وأيّ تصعيد عسكري جديد ستكون له تداعيات تتجاوز حدود دولة بعينها، فيما يظلّ الخيار الدبلوماسي -رغم تعثّره- المسار الأقلّ كلفة على جميع الأطراف.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى