الانسحاب الأمريكي من قاعدة التنف.. الدفاع الثابت والهجوم المتحرك

بقلم: شاهر الشاهر..
فكرة الانسحاب الأمريكي من سوريا كانت مطروحة منذ إدارة ترامب الأولى في عام 2017، لكنها لم تنفذ بضغط من الدولة العميقة، ونتيجة عدم استقرار الأوضاع في سوريا آنذاك.
وبعد معركة الباغوز في عام 2019، طرأ تحوّل تدريجي على طبيعة الوجود العسكري الأميركي في سوريا. فقد تقلصت المهام القتالية المباشرة، وامتدت الجهود أساساً إلى رصد التحركات الإيرانية، وتنفيذ مهام استخبارية، إلى جانب متابعة شبكات تهريب المخدرات، وعلى رأسها تجارة الكبتاغون.
أنشأت الولايات المتحدة قاعدة التنف في عام 2014 ضمن عملية “التصميم الثابت” (Operation Inherent Resolve) gلمراقبة الطريق البري الممتد من إيران إلى حزب الله في لبنان.
استثمرت الولايات المتحدة وجودها في شمال شرق سوريا خلال السنوات الماضية للحدّ من سيطرة النظام السوري السابق على الموارد المحلية ومنع “توسع النفوذ الإيراني” في المنطقة، من خلال إجراءات عسكرية وأمنية ودعم قوى محلية وشراكات إقليمية.
كانت القوات الأميركية تتمركز في 22 موقعاً في سوريا، جرى تقليصها إلى تسعة مواقع، وربما تُختصر إلى موقع واحد أو موقعين في المستقبل.
بعد الانسحاب الأميركي من التنف، بقيت قاعدتان أمريكيتان: الأولى في رميلان وتضم قيادة للتحالف الدولي ومهبطاً للطائرات المروحية، والثانية قاعدة قسرك قرب تل تمر على طريق الحسكة–تل تمر، أي أن القاعدتين موجودتان في مناطق سيطرة “قسد“.
وهنا نشير إلى أن الانسحاب الأميركي من قاعدة التنف ليس سوى إعادة تموضع أكثر من كونها انسحاباً كاملاً، في ظلّ تغيُّرات بطبيعة العلاقة مع الفاعلين المحليين، بمعنى أنها انتقلت إلى كيلومترات عدة باتجاه الداخل الأردني ضِمن استراتيجية إعادة انتشار أوسع، مع استمرارها في تنفيذ بعض العمليات العسكرية في البادية السورية.
كما أن هذا الانسحاب يأتي انسجاماً مع “وثيقة استراتيجية الأمن القومي الأميركية” التي صدرت قبل شهرين، والتي تحدثت عن انكفاء الولايات المتحدة عن تدخلاتها في المنطقة، والتركيز على نصف الكرة الغربي.
لماذا الآن؟
ربما اللافت هو توقيت هذا الانسحاب، والذي تزامن مع تقارير دولية تتحدث عن عودة تنظيم “داعش” للنشاط في سوريا خلال ستة أشهر، وعن وجود نحو ثلاثة آلاف من عناصر التنظيم في المنطقة. وعن خمس محاولات سعى من خلالها التنظيم لاغتيال الجولاني.
جاء هذا الانسحاب بعد أشهر من اندماج فصيل “جيش سوريا الحرة” (المعروف سابقاً بمغاوير الثورة)، المتمركز في التنف، ضمن مظلة “أمن البادية” التابعة لوزارة الداخلية السورية. وبعد الانتهاء من نقل مقاتلي تنظيم داعش الارهابي إلى العراق، وإتمام التفاهمات الأمنية بين قوات سوريا الديمقراطية (قسد) والحكومة السورية.
هناك احتمالات عدة لهذا الانسحاب أهمها هو التحضير لعملية عسكرية ضد إيران، وخشية الولايات المتحدة من أن تتعرض هذه القاعدة لهجوم من قبل الفصائل الموالية لإيران والقريبة من المنطقة.
كانت القاعدة الروسية في مطار القامشلي تضم أكثر من 100 عسكري، إلى جانب ضباط ومستشارين، وأكثر من 20 مدرعة عسكرية، وسبع طائرات حربية من طراز “سوخوي-34″، إضافة إلى طائرة نقل من طراز “أنتونوف أن-22“.
أما الخشية فتتمثل في أن يكون هناك اتفاق أميركي-إسرائيلي حول “ممر داود” الذي تسعى “إسرائيل” لإنشائه من السويداء في جنوب سوريا وصولاً إلى القامشلي حيث “قوات سوريا الديمقراطية“.
كانت أميركا ضد هذا المشروع وسعت لتحجيم التدخلات العسكرية الإسرائيلية في الداخل السوري. لكن اليوم، وبعد إعلان “إسرائيل” انضمامها إلى ما يسمى مجلس السلام العالمي، وفضائح إبستين والضغط الذي يتعرض له الرئيس ترامب وعلاقته بتلك الفضائح، كل تلك الأسباب قد تجعل ترامب أكثر استجابة للمطالب الإسرائيلية التي يدعمها اللوبي الصهيوني في الولايات المتحدة، وعلى رأس تلك المطالب الحرب على إيران وإطلاق يد “إسرائيل” في سوريا وتحجيم النفوذ التركي.
قاعدة التنف
تأسست القاعدة لأول مرة في عام 1991 قبل اندلاع حرب الخليج الثانية، ثم أُغلقت بعد انتهاء الأعمال القتالية في الكويت.
في عام 2003، أعيد فتحها مع بدء الغزو الأميركي للعراق، حيث أصبحت مركزاً لوجستيًا للقوات الأميركية في محافظتي الأنبار ونينوى، وأُغلقت بعدها، بعد الاحتلال الأميركي للعراق.
استولى ما يسمى تنظيم “الدولة الإسلامية” على منطقة التنف ومعبرها في أيار 2015، بعد أن تمكّن من السيطرة على مساحات واسعة من سوريا.
بعد ذلك، أعيد فتح القاعدة لتصبح مركزاً لتدريب ما أطلق عليه الأميركيون اسم “الجيش الحر المعتدل” أو “جيش سوريا الجديد“.
وختاماً: فإن الانسحاب ليس تخلياً عن النفوذ بقدر ما هو إعادة تموضع؛ إذ تشير المعطيات إلى اهتمام أميركي بقواعد أكثر حيوية (مثل مطار المزة والمناطق المحيطة بدمشق) ضمن ترتيبات أمنية تسعى واشنطن لتوقيعها مع الحكومة السورية.



