اخر الأخباراوراق المراقب

إرادة رمضان: كيف نتحرر من التوحش الاستهلاكي لنصنع الإنسان السيّد؟

في عالمٍ لم يعد يهدأ، حيث تضج المدن بصخب المحركات وضوضاء البيانات، يأتي شهر رمضان المبارك كـ واحة زمنية تستحث الإنسان على استعادة صمته الداخلي. ليس الصيام في جوهره قطيعة مع الحياة، بل هو وقفة تأملية تهدف إلى إعادة ضبط البوصلة نحو المركز؛ نحو تلك الروح التي أثقلتها تراكمات المادة وشتتها إغراءات الفرجة الدائمة.
إننا أمام فرصة كونية لنزع غلاف الآلية عن سلوكنا اليومي، والانتقال من حالة العيش العفوي إلى حالة الوجود الواعي. هنا، في هذه المساحة الهادئة بين الفجر والغروب، تبدأ معركة الإنسان الكبرى ليس ضد الجوع، بل ضد التبعية التي تجعله مجرد رقم في معادلات السوق، ومن هنا ننطلق لنسأل: هل نحن نصوم حقاً أم نستهلك فكرة الصيام؟.
في مطلع عام 2026، يبرز تساؤل استراتيجي يطرق أبواب الوعي: هل تحول شهر رمضان من كونه مختبراً للتحرر إلى مجرد موسم استهلاكي بامتياز يخدم خوارزميات السوق؟ الواقع الراهن يشير بمرارة إلى أن الإنسان المعاصر، وهو غارق في لعبة البازل الجيوسياسية والاقتصادية، بات يمارس الصيام كفعل حرمان مؤقت يتبعه انفجار استهلاكي عند الغروب، وهو ما يتناقض جذرياً مع سيكولوجية الإمساك التي تهدف لصناعة الإنسان المقاوم.
الإجابة الواقعية والصادمة هي أننا نعيش في ظل جاهلية رقمية نجحت في اختراق قدسية الصيام، محولةً الإمساك من فعل سيادة نفسية إلى مجرد فاصل زمني لزيادة وتيرة الشراء والتبضع، مما يستوجب وقفة نقدية تعيد للرمضانية معناها كأداة لتحرير الإرادة من قبضة اللوبيات التي تتحكم بـ 60% من موارد الأرض وتتلاعب بغرائز الـ 99% من البشر.
كيف يواجه الإمساك عبودية الدوبامين في عصر الـ 1%؟
تتفرع من التساؤل الأول قضية أكثر عمقاً: كيف يمكن لصيام يمتد لبضع ساعات أن يواجه منظومة تقنية جبارة صُممت خصيصاً لاستعبادنا عبر إشعارات الهواتف وإغراءات الشاشات؟
الإجابة تكمن في أن سيكولوجية الإمساك هي السلاح الوحيد المتبقي لكسر الارتباط الشرطي الذي يجعل الفرد عبداً لشهواته المستفزة تقنياً. في عام 2026، حيث يقضي الإنسان معدلاً يصل إلى 7 ساعات يومياً في تصفح أفخاخ التسليع، يأتي رمضان ليطرح استراتيجية التخلي؛ فالإمساك ليس مجرد توقف عن الطعام، بل هو ديتوكس سيكولوجي من إدمان الدوبامين السريع.

الشواهد الرقمية تثبت أن الصيام الواعي يرفع كفاءة العقل العملي والقدرة على الحلم، مما يحرر الإنسان من سجن البطاقة الذكية ويحوله من كائن قلق ائتمانياً إلى كائن مستقر وجودياً، قادر على قول (لا) للموضة الزائفة وللاستهلاك الذي لا يخدم إلا تضخم جيوب الأقلية المهيمنة.
هل يمكن لـ جوع الصائم أن يحل أزمة المناخ والجفاف العالمية؟
قد يبدو السؤال غريباً، لكن عند تشريح باطن الإمساك المقاوم، نكتشف حقيقة مذهلة: هل الأزمات البيئية التي نعانيها اليوم هي نتيجة لنقص الموارد، أم نتيجة لغياب كوابح الجشع في النفس البشرية؟
الإجابة الواقعية التي تقدمها الورقة البحثية هي أن الرمضانية تمثل الحل الجذري والوحيد الممكن لأزمة الاستدامة؛ فالعالم الذي يهدر 1.3 مليار طن من الغذاء سنوياً يحتاج إلى ثقافة الكفاية لا إلى مزيد من القوانين البيئية الجافة.
الإنسان الذي يمارس الإمساك يتعلم كيف يمتلك الدنيا دون أن تملكه، وكيف يحول طاقة الشهوة المهدرة في التملك إلى طاقة إبداعية لبناء الأرض وإحياء الموات.
إن الإنسان الممسك هو الوحيد الذي يستطيع وقف نزيف الكوكب؛ لأن استهلاكه ينبع من “التعقل” لا من الغريزة، ولأن حلمه نضج لدرجة تجعله يرى في الحفاظ على قطرة الماء فعلاً إيمانياً وضرورة كونية.
ماذا بعد الغروب: هل سنبني دولة الأخلاق أم سنعود لـ البازل؟
يبقى التساؤل الختامي والأكثر حساسية: هل ينتهي مفعول سيكولوجية الإمساك بمجرد سماع صوت الأذان، أم أننا بصدد صناعة كتلة تاريخية من البشر المقاومين؟ الإجابة الاستشرافية تؤكد أن رمضان هو البروفة السنوية لبناء نظام عالمي بديل، نظام لا تحكمه أرقام أسواق المال، بل تحكمه الرحمة والعدل.
المقترح الجوهري هنا هو تحويل شهر الصيام إلى منهج تربوي يستهدف الشباب بالدرجة الأولى، لتعليمهم أن القوة الحقيقية ليست فيمن يشتري أكثر، بل فيمن يمتلك نفسه أكثر.
إننا نستشرف فجراً جديداً تبدأ فيه الشعوب بالتحرر من الجاهلية الرقمية عبر بوابة الإمساك الواعي، ليكون رمضان هو حجر الزاوية في حضارة العقل والرحمة التي تنتصر فيها الروح على المادة، ويتحول فيها الجوع من ألم بيولوجي إلى طاقة تحررية تملأ الأرض قسطاً وعدلاً، وتنهي عصر التوحش الاستهلاكي إلى الأبد.
رؤية واقعية للحل

إن الحل الواقعي لهذه المعضلة الوجودية لا يكمن في اعتزال الحياة أو رفض التكنولوجيا، بل في تبني “سياسة الكبح الاختياري. إننا ندعو من خلال منبر شبكة النبأ إلى تحويل الصيام من طقس انتظار الوجبة إلى مشروع استقلال فكري ونفسي؛ وذلك عبر تفعيل الرقابة الأخلاقية على منافذ الاستهلاك، وتكريس مبدأ (الاكتفاء) كقيمة عليا تسبق (الاقتناء).
إن الحل يتبلور في تحويل الإمساك إلى سلوك مؤسسي ومجتمعي يستمر طيلة العام، حيث يصبح وعي المواطن الصائم هو الجدار المنيع الذي تتحطم عليه خوارزميات الاستغلال. بهذا فقط، ننتقل من استهلاك فكرة الصيام إلى عيش تجربة الحرية الواعية، ونخرج من رمضان وقد بنينا إنساناً مقاومًا يمتلك من الإرادة ما يكفي لإعادة صياغة قدره، بعيداً عن أسر المال وسلطان المادة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى