اخر الأخبارالمراقب والناس

الدرجات الوظيفية في البصرة.. “سلع” قابلة للبيع والشراء

شهدت السنوات الماضية تحول الدرجات الوظيفية في البصرة الى سلع قابلة للبيع والشراء ضمن آليات غير معلنة تتداخل فيها شبكات وساطة مالية وإدارية، ما يضع أحد أهم ملفات المعالجة الاجتماعية للبطالة في قلب شبهة فساد واسعة النطاق.
وتكشف المعلومات المتداولة داخل أوساط قريبة من مسؤولي ملف التعيينات في البصرة عن أن مبالغ مالية كبيرة تُطلب مقابل ضمان الحصول على عقد وظيفي، إذ تصل الأسعار في بعض الحالات إلى نحو 40 ألف دولار للتعيين الواحد “خصوصاً ضمن ملف الـ19 ألف درجة وظيفية في مديرية التربية”، بينما يجري تسديد هذه المبالغ إما دفعة واحدة أو على شكل دفعات متتالية تنتهي عند تسلّم الأمر الإداري، في مؤشر خطير على تحوّل جزء من الوظائف الحكومية إلى مسار “غير رسمي” تحكمه القدرة المالية بدلاً من معايير الاستحقاق والعدالة.
ولا يتوقف الأمر بحسب المصادر نفسها عند قطاع التربية، بل يمتد ليشمل تعيينات في مؤسسات أخرى بينها قطاعات الشباب والرياضة وبعض الشركات النفطية، الأمر الذي يطرح تساؤلات جوهرية حول سلامة إجراءات التدقيق والرقابة وحول الجهات التي تسمح بمرور هذه العمليات أو تعجز عن وقفها في وقت يتزايد فيه الضغط الشعبي المطالب بضمان شفافية التعيينات ومنع تحويلها إلى صفقات مالية على حساب آلاف الباحثين عن العمل.
وفي سياق متصل، يؤكد محمد كاظم، وهو شخصية مقرّبة من أحد الكتل السياسية الكبيرة في البصرة: أن” المبالغ التي تصل إلى نحو 40 ألف دولار لا تُدفع في كثير من الحالات مقابل وظائف تخصصية أو درجات وظيفية عالية، بل للحصول على عقود بسيطة داخل المؤسسات التعليمية، مثل عقود الحراسة أو العمل بصفة كاتب إداري في بعض المدارس، لافتاً إلى أن “جزءاً من هذه التعيينات يجري تمريره على أساس الانتماء أو الارتباط بجهات سياسية نافذة، بعيداً عن معايير الكفاءة أو الحاجة الفعلية”.
وأضاف كاظم أن “بعض من يحصلون على صفة “كاتب” في المدارس، لا يمتلكون حتى المهارات الأساسية للقراءة والكتابة، الأمر الذي يعكس بحسب وصفه حجم الخلل في آليات التعيين، و”يحوّل الوظيفة الحكومية من أداة لخدمة المؤسسات التعليمية، إلى بابٍ لتثبيت الولاءات السياسية وتوسيع شبكات النفوذ داخل الدوائر الرسمية”.
وأشار كاظم إلى أن” أعداد الحراس والكتّاب والعمّال الحرفيين في مدارس البصرة ارتفعت بشكل لافت خلال السنوات الأخيرة حتى تجاوزت وفق تقديراته حاجز الألف موظف بعقود مختلفة، مبيناً أن “جزءاً من هؤلاء لا يلتزم بالدوام الرسمي الكامل، إذ يقتصر حضور البعض على يوم واحد بالأسبوع أو في أوقات متباعدة في الشهر الواحد”.
في شهادة أخرى تعزّز المؤشرات المتداولة حول اتساع هذه الظاهرة، قال عدنان محمد وهو مقرّب من إحدى الشخصيات السياسية في البصرة إن “ما يجري حالياً لا يقتصر على حالات فردية متفرقة، بل يشبه سوقاً منظّمة تُعرض فيها فرص العمل الحكومية وشبه الحكومية بأسعار متفاوتة تبعاً لطبيعة الوظيفة والجهة التي تتبع لها”، مبيناً أن “بعض فرص العمل المرتبطة بشركات نفطية تُعرض وفق المعلومات التي اطّلع عليها مقابل مبالغ قد تصل إلى 50 ألف دولار للتعيين الواحد، فيما تصل أسعار بعض التعيينات ضمن قطاعات الشباب والرياضة إلى نحو 20 ألف دولار، في وقت تُدار فيه هذه العمليات بطرق غير مباشرة تعتمد وسطاء وسلاسل تواصل مغلقة ما يصعّب تتبّعها أو توثيقها رسمياً”.
وأضاف محمد: أن” آليات الترتيب لهذه الصفقات تتم غالباً عبر تواصل أولي من خلال تطبيقات المراسلة ولا سيما “واتساب” حيث تُناقش التفاصيل الأولية ويُحدد المبلغ المطلوب، قبل الانتقال إلى مرحلة التسليم التي تجري في أماكن عامة وبصورة غير رسمية، مثل بعض المقاهي الشعبية داخل البصرة، في محاولة لتجنّب أي توثيق مباشر أو أدلة مكتوبة قد تُستخدم لاحقاً في ملاحقات قانونية، وهو ما يعكس بحسب قوله مستوى التنظيم الذي وصلت إليه شبكات الوساطة غير القانونية في ملف التعيينات”.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى