اخر الأخبارالنسخة الرقميةتقارير خاصةسلايدر

المواطن الخاسر الأول في المواجهة بين جشع التجار وإجراءات الحكومة

بعد الإضرابات الرافضة للتعرفة الكمركية


المراقب العراقي/ أحمد سعدون..
مع كل محاولة جادة لإعادة تنظيم مفاصل الاقتصاد العراقي، للتخلص من النظام الريعي الذي بات يهدد مفاصل الدولة وسُبل تأمين الرواتب للموظفين والحفاظ على استقرار السوق، يتصاعد الجدل المحتدم بين الحكومة وتجار السوق إلى الواجهة، وكأن الطرفين يقفان دائماً على ضفتين متقابلتين، هذا الجدل لا يمكن اختزاله باتهام التاجر بالجشع، ولا بتبرئة الحكومة من أخطائها المتراكمة، بل هو في جوهره نقاش حول شكل اقتصاد البلد، ريعياً هشاً أم منظماً قادراً على الصمود أمام التحولات الجيوسياسية.
لسنوات طوال، تشكّل السوق العراقية ضمن ظروف استثنائية، غابت فيها الأنظمة الحديثة، وضعفت الرقابة، وتداخلت المصالح بين القطاعين العام والخاص، هذه البيئة أفرزت، أرباحاً عالية لبعض التجار تجاوزت الـ200 بالمئة ولربما 300 بالمئة ولمدة عشرين عاماً أو أكثر، لكنها في الوقت نفسه، عكست فشل الدولة في بناء نظام اقتصادي واضح وعادل، لذلك، فإن أي حديث عن الإصلاح يجب أن يعترف بأن الخلل لم يكن مسؤولية طرف واحد، بل نتيجة تراكم سياسات مؤجلة وقرارات غير مكتملة.
وفي الوقت نفسه، يعتاش السياسي على هذه المضاربات التي يمارسها التاجر نتيجة للتخادم المتبادل بينهما، فلذلك تراه معترضاً ضد أية محاولة تهدف الى الإصلاح المالي، بالتعاون مع وسائل الإعلام المبتزة التي تحاول دائما إثارة الرأي العام، دون الالتفات الى ترويج ثقافة التعدد الاقتصادي بعيداً عن الموارد النفطية.
وفي السياق نفسه، أكد الخبير الاقتصادي فالح الزبيدي في حديث لـ”المراقب العراقي”، ان “الحكومة حين تطرح أنظمة تنظيمية حديثة، مثل الأنظمة الإلكترونية في العمل الكمركي والتجاري أو زيادة في التعرفة الكمركية، تظهر مخاوف حقيقية لدى التجار أو المواطن من سوء التطبيق، والبيروقراطية، وغياب الضمانات”، مضيفاً، ان “هذه المخاوف ليست كلها بلا أساس، فالتجربة العراقية أثبتت، أن النوايا الإصلاحية كثيراً ما تصطدم بتنفيذ ضعيف أو انتقائي”.
وأضاف الزبيدي، ان “رفض أي تنظيم جديد أو اللجوء إلى إضراب السوق كوسيلة ضغط، يفتح باباً آخر من الخسائر، لا يدفع ثمنه التاجر ولا الحكومة بقدر ما يدفعه المواطن، مبيناً، ان إضراب السوق، مهما كانت دوافعه، ينعكس مباشرة على حياة الناس اليومية ويؤدي الى ارتفاع الأسعار، وشح المواد، وزيادة الضغط على الفئات ذات الدخل المحدود، وخصوصاً ونحن على أبواب شهر رمضان المبارك”.
وتابع الزبيدي، ان “المشكلة الأساسية ليست في تقليص ربح أو زيادة إجراء، بل في استمرار الاعتماد على نموذج ريعي مشوّه، يجعل السوق رهينة للقرارات المفاجئة، ويجعل الدولة رهينة للإيرادات غير المستقرة، مؤكداً، ان الاقتصاد القوي يحتاج إلى انتقال تدريجي ومدروس نحو التنويع، والشفافية، وتكافؤ الفرص، بحيث لا يشعر التاجر أن الإصلاح تهديد، ولا يشعر المواطن أنه الضحية الدائمة”.
وفي المقابل، يرى مختصون، ان “الحكومة ليست معفاة من المسؤولية، وان بناء اقتصاد منظم يتطلب أكثر من فرض أنظمة جديدة، من خلال تبسيط الإجراءات، ومحاربة الفساد داخل المؤسسات، وضمان سرعة التخليص، وتقديم تطمينات حقيقية للقطاع الخاص، بأن الالتزام بالقانون لن يتحول إلى عبء إضافي، مؤكدين، ان الإصلاح إذا لم يكن شاملاً وعادلاً، سيفقد شرعيته مهما كانت أهدافه صحيحة”.
وأشاروا الى أن “الأزمة الحالية ليست صراعاً بين تاجر وحكومة، بل اختباراً لقدرة البلد على مغادرة الاقتصاد الريعي إلى اقتصاد إنتاجي منظم، وان الطريق إلى ذلك، لا يمر عبر الإضرابات ولا عبر القرارات المنفردة، بل عبر شراكة حقيقية توازن بين مصلحة السوق، واستقرار الدولة، وحق المواطن في حياة اقتصادية آمنة.”
ولفتوا الى ان “اقتصاداً بلا تنظيم ينهك الدولة، وان تنظيماً بلا ثقة يربك السوق، وبين الاثنين، يبقى المواطن الحلقة الأضعف، والحل ليس في الانتصار لطرف على حساب آخر، بل في بناء منظومة اقتصادية يتقاسم فيها الجميع المسؤولية قبل الأرباح”.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى