لوحات ناصر سماري.. وجوه بلا هوية واضحة تُحيل إلى الإنسان المجهول

المراقب العراقي/ المحرر الثقافي…
ترى الناقدة أميرة ناجي أن لوحات التشكيلي ناصر سماري هي مجموعة وجوه بلا هوية واضحة كلها تحيل إلى الإنسان المجهول.
وقالت في قراءة خصت بها “المراقب العراقي”: إن” تجربة الدكتور ناصر سماري تتسم بنزعة واضحة للاشتغال على الأثر لا على الحدث وعلى ما تبقى لا على ما اكتمل، اللوحة لا تبدو منجزة دفعة واحدة بل كأنها نتاج زمن طويل من الإضافة والمحو من البناء والهدم من التراكم والتشويه المقصود، كل طبقة لونية تحجب ما تحتها لكنها في الوقت ذاته تترك أثراً يدل عليه، لا شيء يختفي تماماً ولا شيء يظهر كاملاً وهذه العلاقة المتوترة بين الحضور والغياب تشكل أحد الأعمدة الجوهرية في مشروعه الفني”.
وأضافت:أن”هذا الاشتغال على الأثر يضع المتلقي أمام تجربة تشبه التنقيب الأركيولوجي حيث لا يكشف المعنى دفعة واحدة بل يستخرج عبر التأمل والعودة البصرية المتكررة. اللوحة هنا ليست نافذة بل طبقة وليست إجابة بل سؤال بصري مفتوح يراكم احتمالاته مع كل قراءة جديدة”.
وتابعت :إن”البنية التكوينية في أعماله تقوم على توزيع وحدات بصرية تشبه المقاطع المعمارية أو الجدران المتجاورة. مساحات مربعة ومستطيلة كتل داكنة تقطعها فراغات مضيئة وخطوط سوداء حادة تشبه آثار الكتابة الأولى ورموز قريبة من هيأة الوجوه دون أن تستقر على ملامح نهائية. هذا التفكك البنائي لا يعكس فوضى بل رؤية ترى العالم مجزأً وغير قابل للاختزال في صورة واحدة أو معنى واحد”.
وأوضحت أن”اللون في تجربة الدكتور ناصر سماري يحمل بعداً نفسياً وثقافياً واضحاً. الأزرق يهيمن في كثير من الأعمال لا باعتباره لون السماء أو الماء بل فضاء داخلياً بارداً وعميقاً قريباً من الذاكرة البعيدة. البني والترابي يحيلان إلى الأرض والجدار والطين الأول إلى المادة التي شهدت البدايات وحملت آثار الأقدام الأولى. الأحمر يظهر غالباً مكبوتاً ومحاصراً كأثر جرح قديم لم يندمل بينما يعمل الأسود كقيد بصري أو كأثر كتابة بدائية أو كعلامة احتجاج صامت ضد المحو والنسيان”.
وبينت: أن”الخط في أعماله خط عصبي متوتر قريب من الغرافيتي أحياناً ومن الكتابة الطلسمية أحياناً أخرى. هذا الخط لا يؤدي وظيفة زخرفية بل يحمل شحنة دلالية عالية ويستدعي فكرة الجدار كذاكرة جمعية لا كخلفية صامتة. الجدار في التأريخ الإنساني هو أول مساحة اعترف عليها الإنسان بوجوده وأول سجل للخوف والرغبة والاحتجاج. ومن هنا يتقاطع مشروع الدكتور ناصر سماري مع الموروث الثقافي والحضاري بعمق دون استعارة مباشرة للرموز بل عبر استحضار روحها وطاقتها التعبيرية”.
وواصلت:أن”الكتابات المُمحاة والعلامات غير المقروءة والأشكال التي تشبه وجوهاً بلا هوية واضحة كلها تحيل إلى الإنسان المجهول الإنسان الذي مر وترك أثراً ثم غاب. هذا البعد يعيدنا إلى الذاكرة الجمعية لبلاد الرافدين حيث كانت الكتابة فعلاً وجودياً وحيث تحولت الألواح الطينية إلى سجل للحياة والموت والسلطة والطقس غير أن سماري لا يستعيد هذه الذاكرة بطريقة تأريخية أو نوستالجية بل يعيد تفكيكها داخل سياق معاصر مثقل بأسئلة الهوية والانتماء والتشظي”.
وأكملت :في هذا السياق يمكن مقاربة تجربة الدكتور ناصر سماري بهدوء مع بعض التجارب العالمية التي اشتغلت على مفهوم الأثر والذاكرة دون الوقوع في فخ الاستنساخ أو التشابه المباشر. ثمة صدى بعيد لتجربة أنسلم كيفر في تعامله مع المادة كحامل للذاكرة التأريخية وللجراح الجماعية غير أن سماري يتخفف من الثقل السردي المباشر ويتجه نحو اختزال أكثر صمتاً. كما يمكن استحضار أعمال أنطوني تابيس حيث يتحول السطح إلى جدار مشحون بالعلامات والندوب إلا أن تجربة سماري تبقى أكثر التصاقاً بذاكرة المكان الرافديني وبحساسية الجدار كمساحة اعتراف إنساني لا كمجرد خامة تشكيلية فهذا التقاطع لا يضع التجربة في خانة التأثر بل يكشف عن انتمائها إلى سؤال كوني واحد يعالج الذاكرة كأثر لا كحكاية مكتملة”.
وختمت :”في النهاية لا يمكن النظر إلى تجربة الدكتور ناصر سماري كمجموعة لوحات منفصلة بل كمشروع بصري وفكري متكامل ينقب في الذاكرة ويُصغي إلى الجدران ويعيد للسطح التشكيلي قدرته على التفكير. إنها عوالم لا تشاهد فقط بل تقرأ وتحس وتعاش وتترك في المتلقي أثراً يشبه أثر المدن القديمة نغادرها لكنها لا تغادرنا”.



