نهاية الغرب الواحد.. أوروبا في مواجهة المشروع الترامبي

بقلم: بثينة عليق..
شهد العالم مؤخرًا ثلاثة أحداث بارزة حظيت باهتمام خاص على الصعيد العالمي، الحدث الأول تمثّل في اتفاقية الشراكة بين الاتحاد الأوروبي والهند، والحدث الثاني في الاتفاقية الكندية-الصينية، أما الحدث الثالث فكان اللقاء الصيني-البريطاني.
وقد أصدر الرئيس الأميركي دونالد ترامب، ردودًا على الحدثين المتعلقين بالعلاقة الصينية-الكندية والعلاقة الصينية-البريطانية، فوصف كندا بأنها في وضع سيئ جدًا، فيما وجّه تحذيرًا إلى بريطانيا مفاده، أنها ستكون على المسار الخاطئ في حال توجهت نحو الصين.
إن هذه الأحداث والتعليقات الأميركية تسلّط الضوء على واقع أوروبا المعقّد، التي وجدت نفسها، في ظل السياسة “الترامبية”، عالقةً بين خيارين:
الأول هو الخضوع الكامل للولايات المتحدة الأميركية التي تسعى، في ظل رئاسة ترامب، إلى تشكيل عالم جديد على هيأة “مجلس سلام” يكون فيه ترامب المقرِّر والحاكم الأوحد، يتخذ قراراته وفق “مبادئه الأخلاقية” الخاصة، بعيدًا عن أي قانون دولي أو شرعة حقوق إنسان، ومن دون أي احترام للمؤسسات الدولية التي نشأت بعد الحرب العالمية الثانية.
أما الخيار الثاني فهو العزلة، في ظل ضعف استراتيجي بالقدرات الدفاعية والاقتصادية، نتيجة الارتباط البنيوي الأوروبي بواشنطن خلال الأعوام الثمانين الماضية.
هذه الحقيقة هي التي دفعت مؤخرًا كلًا من المستشار الألماني والرئيس الفرنسي إلى الدعوة لسياسات أوروبية جديدة تقوم بالاعتماد على الذات، وتعزيز القدرات العسكرية والدفاعية المستقلة، إضافة إلى تقوية الموارد الاقتصادية، غير أن هذه الدعوات تبدو متأخرة جدًا، بسبب عدم إدراك الأوروبيين المبكر للتحولات الأميركية الداخلية العميقة، التي ظهرت مؤشراتها الأولى مع الولاية الأولى لترامب.
فقد استمر الأوروبيون في الرهان على علاقتهم وتحالفهم مع واشنطن ضمن حلف الناتو، وذهبوا بعيدًا في استعداء محيطهم القريب إرضاءً لإدارات البيت الأبيض؛ فاستفزوا روسيا بأمنها القومي في أوكرانيا، ما أدى إلى اندلاع الحرب هناك، وكانت من أبرز نتائجها خسارة أوروبا لمصدرها الأساسي من الغاز الطبيعي، كما ذهبوا بعيدًا في مواجهة إيران، وارتكبوا مؤخرًا خطأً جسيمًا بتصنيف الحرس الثوري الإسلامي كمنظمة إرهابية، رغم أن خروج ترامب من الاتفاق النووي شكّل ضربة قوية للأوروبيين، إذ حرمهم من فرص استثمار اقتصادي واسعة في بلد يتمتع بإمكانات وقدرات كبيرة كإيران.
على الصعيد الجيوسياسي، خسرت أوروبا سيطرتها على المناطق الحيوية في العالم وعلى الممرات الدولية، التي بات معظمها تحت هيمنة الولايات المتحدة الأميركية. وتبقى الورقة القوية والفاعلة الوحيدة المتاحة أمام أوروبا هي تحدّي الإرادة الأميركية بشكل فعلي وواعٍ وحقيقي، وإنجاز تحوّل استراتيجي في سياستها الدولية عبر العمل على مستويات عدة:
المستوى الأول: بناء شراكة تكنولوجية-اقتصادية مع الصين، وتحويلها من منافس وخصم إلى شريك، ولا سيما في المجال التكنولوجي ومعركة الرقائق الرقمية.
المستوى الثاني: إنجاز مصالحة تأريخية مع موسكو، وتحويل روسيا إلى عمق استراتيجي بدل اعتبارها مصدر تهديد، إلى جانب صياغة اتفاقية أمنية تتفهم فيها أوروبا الاحتياجات الأمنية الروسية، وتضمن في المقابل احترام موسكو لسيادة أوروبا. ويُعد هذا المسار الطريق الوحيد أمام أوروبا لبناء عمق جيوسياسي يلبّي هواجس روسيا الأمنية، ويوفّر في الوقت نفسه مصادر طاقة مستقرة من النفط والغاز.
المستوى الثالث: إعادة صياغة العلاقة مع العالم الإسلامي والعربي، ومع دول ما يُسمّى الجنوب العالمي في أميركا اللاتينية وأفريقيا، من خلال الالتزام بالقانون الدولي، والانحياز إلى حقوق هذه الشعوب، ودعم قضاياها المحقة في التنمية والاستقلال. وبذلك يمكن للأوروبيين كسب مساحات واسعة للاستثمار، وتأمين مصادر طاقة متنوعة، وفتح آفاق جديدة لحضورهم ضمن إطار جيوسياسي أوسع.
المستوى الرابع: إجراء إصلاح داخلي عميق في النظم السياسية الأوروبية، بما يضع حدًا للتناقض القائم بين شعارات الحرية والديمقراطية من جهة، ومتطلبات التعايش السلمي وقبول الآخر من جهة أخرى. ويتعيّن على أوروبا وضع آليات تضمن اندماجًا حقيقيًا لجميع مواطنيها، وإعادة النظر في مواقفها السلبية تُجاه الإسلام، التي أسهمت في تفشي ظاهرة الإسلاموفوبيا وتوسيع قاعدة التيارات اليمينية المتطرفة.
اليوم لم نعد أمام غرب واحد، بل أمام غربين:
غربٍ ترامبي يقوم على منطق “السلام بالقوة”، ولا يبدي اكتراثًا حقيقيًا بقيم الحرية والديمقراطية وغيرها من الشعارات الغربية التقليدية.
وغربٍ تقليدي سوّق لنفسه بوصفه حاميًا لحقوق الإنسان والحريات والديمقراطية، وفرض رؤيته وصيغته على العالم الآخر، وإن كان ذلك في كثير من الأحيان بالقوة أيضًا.
إن هذا الصِدام يفرض على الغرب التقليدي إعادة النظر في مساره، وتعديل وجهته، وإعادة صياغة رؤيته تُجاه العالم، من خلال تحويل مبادئ حقوق الإنسان من مبادئ خاصة وانتقائية إلى مبادئ عامة وشاملة، تتفهم خصوصيات الشعوب والثقافات المختلفة وتتفاعل معها. وحده هذا التحول قد يجعله قادرًا لا فقط على حماية نفسه، بل أيضًا على حماية العالم من “النازية الجديدة” المتجلّية في المفاهيم الترامبية.



