اراء

دبلوماسية ما قبل المفاوضات.. نصر إيراني صريح

الكاتب: محمود الأسعد..
شهدت الساعات الأخيرة العديد من التصريحات والتسريبات المتضاربة من قبل الإدارة الأميركية ووسائل الإعلام الغربية في ما يخص ملف المفاوضات بين الولايات المتحدة الأميركية والجمهورية الإسلامية في إيران، وفي الوقت الذي كان المراقبون ينتظرون إعلاناً رسمياً لموعد ومكان المفاوضات في مدينة إسطنبول التركية وبحضور دول إقليمية عديدة بصفة “مراقب”، كما تطالب الولايات المتحدة، نقل موقع إكسيوس الأميركي عن مصادر أميركية أن المفاوضات انهارت بسبب تبدل في الموقف الإيراني نتيجة قرار طهران بأن يكون مكان التفاوض في سلطنة عمان بدلاً من إسطنبول التركية، وأن تكون المفاوضات ثنائية، وليست متعددة الأطراف، وأن تقتصر على الملف النووي الإيراني.
لاحقاً، لذلك أعلن وزير الخارجية الإيراني عباس عراقتشي أن المفاوضات ستعقد في مسقط عاصمة عمان في تمام الساعة العاشرة صباحاً يوم الجمعة، ليعود موقع إكسيوس الأميركي ويؤكد ذلك مبرراً موافقة واشنطن على التفاوض بعد الرفض نتيجة للضغوط التي مارستها عدة دول إقليمية على إدارة ترمب للقبول بذلك وضرورة اللقاء والاستماع إلى العرض الإيراني.
إن تتبع المواقف السياسية للطرفين الأميركي والإيراني خلال الأسابيع الفائتة، وتحديداً منذ بدء التحشيد العسكري الأميركي في المنطقة والتهديدات الأميركية العلنية بتنفيذ هجوم عسكري على إيران، يؤكد أن المعركة الدبلوماسية التي شهدتها تلك الفترة قبيل التوصل إلى اتفاق بدء التفاوض تكتسب أهمية كبيرة لا تقل عن أهمية جلسات التفاوض المزمع عقدها، وخصوصاً إذا ما أخذنا في الاعتبار أن إدارة ترامب استخدمت سياسة الترهيب والتهديد عبر التحشيد العسكري الكبير لفرض شروطها على إيران قبل المفاوضات طمعاً في الحصول على تنازلات إيرانية مبكرة تتيح لواشنطن التحكم في مسار المفاوضات وتضمن لها نتائج مسبقة..
مكن بوضوح الاستنتاج بأن إيران حققت نصراً دبلوماسياً في تلك المنازلة السياسية من خلال إجبارها واشنطن على القبول بالتفاوض دون شروط مسبقة، وهي الشروط التي لطالما أعلنتها واشنطن والمتعلقة بمكان المفاوضات وشكلها ومضمونها ومحاورها، فإضافة لاختيارها تركيا مكاناً للمفاوضات، ورغبتها في إشراك دول عدة كالسعودية ومصر وتركيا والإمارات وقطر وعمان، فإن واشنطن كانت قد اشترطت مسبقاً أن تشمل المفاوضات إلى جانب الملف النووي ملفات سيادية إيرانية تتعلق بالبرنامج الصاروخي الإيراني ومديات الصواريخ البالستية، والدعم الإيراني للمقاومة في المنطقة، والموقف الإيراني من الكيان الإسرائيلي، وملفات داخلية إيرانية تتعلق بحقوق الإنسان.
سجل للدبلوماسية الإيرانية نشاطها المثمر في الأيام الأخيرة، وعلى محاور عدة، إلى جانب التصريحات المتزنة والبراغماتية المحسوبة بدقة الصادرة عن المسؤولين الإيرانيين، وهو ما عكس إحاطةً شاملة وتفصيلية لمواقع وخلفيات صناعة القرار والسياسة الأميركية المتبعة، سواء على صعيد المؤسسات أو المسؤولين، وعلى رأسهم الرئيس الأميركي دونالد ترامب، وتشابك المصالح في الإقليم، والتحولات العالمية المتسارعة.
في هذا الإطار، يحسب لوزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي تصريحاته لشبكة CNN التي قال فيها: “الدول الصديقة تحاول بناء الثقة بين الولايات المتحدة وإيران، واصفاً هذه الجهود بأنها مثمرة”، فهو بذلك أعرب عن رضى واطمئنان وتشجيع إيراني لمزيد من الدور الذي تقوم به دول عديدة في هذا المجال، وإتاحة الفرصة لمنع تفرد واشنطن بقرار الحرب أو التفاوض من خلال التأثير غير المباشر عبر وسطاء من الدول الصديقة المشتركة التي ستتأثر سلباً أو إيجاباً بما ستؤول إليه اتصالات ما قبل القرار النهائي.
ولم يكتفِ عراقتشي بذلك، بل رمى الكرة في ملعب مبعوث الرئيس الأميركي “ستيف ويتكوف” قبيل توجهه إلى الكيان الإسرائيلي، محملاً إياه مسؤولية حصول المفاوضات من عدمه بإعلانه أن “إمكانية إجراء المفاوضات يتوقف على اتباع فريق المفاوضات الأميركي لرغبة رئيسهم ترامب بالتوصل إلى اتفاق عادل ومنصف لضمان عدم وجود أسلحة نووية”، وهي رسالة أراد من خلالها عراقتشي أن يرسم للمبعوث “ويتكوف” حدود ما يمكن أن يناقشه في “تل أبيب” مع رئيس الوزراء الإسرائيلي “بنيامين نتنياهو” الذي يشعر بخيبة أمل من حليفه ترمب المتردد باللجوء إلى العمل العسكري.
“لا شيء لدينا سوى تقديم ضمانات بعدم امتلاك السلاح النووي”. هذا بالضبط ما أراد عراقجي إيصاله إلى المبعوث ويتكوف قبل لقائه نتنياهو، وما سوى ذلك فلا مجال لمناقشته بما فيه استمرار البرنامج النووي الإيراني.

بالتوازي مع نشاط وزير الخارجية، كان الأمين العام لمجلس الأمن القومي الإيراني السيد “علي لاريجاني” الذي يمكن اعتباره الشخصية الأكثر قرباً من المرشد الأعلى السيد “علي الخامنئي”، قد أنهى زيارته إلى موسكو قبل أيام، والتقى الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، قبل أن يستقبل رئيس الوزراء القطري محمد بن عبد الرحمن آل ثاني في طهران، ليعلن بعد ذلك أن “تشكيل إطار عمل للمفاوضات يتقدم”. وبلا شك، فإن السيد لاريجاني التقى بوتين في توقيت مهم. وكان الأخير قد قبل طلباً من نظيره الأميركي بوقف الهجمات على أوكرانيا لمدة أسبوع، وخصوصاً على منشآت الطاقة، ومن المنطقي أن ترامب سيقبل من بوتين طلباً مقابلاً يتعلق بالتفاوض مع إيران.
إضافة إلى ذلك، أعلن عن اتصال هاتفي بين الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان والرئيس المصري عبد الفتاح السيسي تناول ضرورة عقد اجتماع وإطلاق مفاوضات بين واشنطن وطهران، وكذلك زيارة.
تحدَّث الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي هاتفياً إلى نظيره الإيراني مسعود بزشكيان وحثه على الموافقة على عقد اجتماع مع مسؤولي ترامب، كما شهدنا زيارة لوزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي إلى أنقرة ولقاءه نظيره التركي حقان فيدان، حيث جرت مناقشة التفاصيل المتعلقة بمكان ومضمون المفاوضات المحتملة بين واشنطن وطهران، وكل ذلك سبق جولة الرئيس التركي رجب إردوغان التي شملت السعودية ومصر.
في الصورة النهائية قبل انطلاق المفاوضات المقررة يوم الجمعة فإن الدبلوماسية الإيرانية نجحت أولاً في نقل مكان المفاوضات إلى سلطنة عمان، وهي الدولة الجارة والصديقة التي تثق بها إيران وتربطها بها علاقات وثيقة، والتي لها تاريخ في مجال الوساطة بين إيران والغرب في ما يخص الملف النووي وغيره، وليس لديها مطامع بنفوذ إقليمي على حساب إيران. ثانياً، نجحت طهران في الإبقاء على الشكل الثنائي للمفاوضات مع واشنطن بدلاً من تحولها إلى مفاوضات متعددة الأطراف، والذي سيعني بالضرورة طرح المزيد من الملفات الإقليمية الشائكة التي تخص الأطراف المشاركة، وربما تكون طهران مضطرة حينها إلى مواجهة جبهة واسعة من الولايات المتحدة وحلفائها الإقليميين في الوقت الذي تقوم إيران بنسج وتطوير علاقاتها الإقليمية بشكل ثنائي أو ضمن إطار إقليمي بعيد عن واشنطن. ثالثاً، نجحت طهران في دفع الولايات المتحدة إلى الموافقة على إطلاق المفاوضات على أساس مناقشة البرنامج النووي الإيراني وضمانات عدم امتلاك السلاح النووي، وهو بطبيعة الحال خاضع لفتوى من المرشد الأعلى السيد علي خامنئي، وعدم امتلاكه يعد سياسة إيرانية واضحة وعلنية.
لا شك في أن هذا النصر الصريح للدبلوماسية الإيرانية يعتبر إنجازاً استثنائياً بعد حملة واسعة من الضغط العسكري والسياسي والاقتصادي والإعلامي، وحتى على صعيد الأمن الداخلي لإيران التي تعرضت مؤخراً لمؤامرة خارجية خلال الاحتجاجات الأخيرة التي قادتها أجهزة مخابرات خارجية أميركية وإسرائيلية وغربية، وباعتراف علني من المسؤولين في واشنطن و”تل أبيب”. وبلا شك، فإن هذا النصر الدبلوماسي سيترجم في المفاوضات المقبلة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى