أزمة السيولة النقدية تهدد رواتب الموظفين وتربك حساباتهم الاقتصادية

بسبب سوء الإدارة المالية
المراقب العراقي/ أحمد سعدون..
تتصاعد ملامح الأزمة المالية في العراق يوماً بعد آخر، وسط حالة من الغموض والتعتيم الحكومي حول الأسباب الحقيقية التي أدت إلى تعطيل رواتب أغلب الوزارات، إضافة إلى رواتب المتقاعدين ومستفيدي الرعاية الاجتماعية، رغم استمرار عمليات تصدير النفط بأسعار توصف بالمقبولة نسبياً، والتأكيد الرسمي على ارتفاع الإيرادات الكمركية والإيرادات المحلية.
ووفق بيانات رسمية، بلغت الإيرادات الكمركية خلال شهر كانون الثاني وحده، أكثر من 37 تريليون دينار، فضلاً عن إيرادات محلية أخرى تستحصل من دوائر ووزارات مختلفة، ما يثير تساؤلات جدية حول أسباب العجز في توفير السيولة اللازمة لتغطية الالتزامات الأساسية للدولة، وعلى رأسها الرواتب.
في مقابل هذا التعتيم، كشفت مصادر نيابية عن مؤشرات مقلقة تتعلق بالوضع المالي الحقيقي، مؤكدة عدم وجود سيولة نقدية فعلية داخل المصارف الحكومية، لاسيما مصرف الرشيد، الذي بات غير قادر – بحسب تلك المصادر – على إعادة أي مبالغ يتم إيداعها لديه، سواء تعود لمواطنين أو شركات، ما يعكس أزمة ثقة متنامية بالقطاع المصرفي الحكومي.
وأوضحت المصادر، أن “الحكومة قامت بسحب الأمانات الضريبية التي تبلغ نحو 4 تريليونات دينار، إضافة إلى سحب مبالغ الاتفاقية العراقية – الصينية المقدّرة بنحو 6 مليارات دولار، فضلاً عن استخدام ودائع شركات التأمين وأموال صندوق التقاعد وتشغيلها في مشاريع استثمارية، من بينها شراكات مع شركة فودافون للاتصالات، مقابل نسب مالية، في خطوة أثارت جدلاً واسعاً حول مشروعية التصرف بهذه الأموال وحجم المخاطر المترتبة عليها.
كما كشفت تلك المصادر عن مطالبة وزارة المالية، بكتاب رسمي، بإيداع مبالغ الرعاية الاجتماعية البالغة نحو 2 تريليون و400 مليار دينار في حسابات الوزارة لغرض التصرّف بها، وهو إجراء حذّرت منه المصادر بشدة، لما يحمله من تهديد مباشر للفئات الهشة ومحدودي الدخل الذين يعتمدون بشكل كلي على هذه الإعانات.
في السياق نفسه، وصفت المصادر التطمينات الحكومية المتكررة بشأن استقرار الوضع المالي بأنها محاولة لتهدئة الشارع ومنع تصاعد الغضب الشعبي، معتبرة، أن الواقع المالي أكثر خطورة مما يعلن رسمياً، وأن الاستمرار في هذا النهج قد يؤدي إلى تقويض الثقة بالمؤسسات المصرفية والمالية، ويفتح الباب أمام أزمة اقتصادية أعمق وأطول أمداً.
ومن جانب آخر، أكد الخبير الاقتصادي د. بلال خليفة في حديث لـ”المراقب العراقي”، أن “شح السيولة يعود إلى سوء الإدارة المالية وكان آخرها السياسات المتعلقة برفع التعرفة الكمركية وفرض ضرائب إضافية على التجار، ما أدى إلى تكدس البضائع في المنافذ الحدودية والموانئ العراقية، وتعطّل حركة الاستيراد، وبالتالي تأثر الدورة النقدية في الأسواق المحلية، وانخفاض تدفق الأموال إلى المصارف”.
وأضاف، أن “ما يشهده العراق حالياً لا يمكن توصيفه كأزمة إيرادات، بل كأزمة إدارة سيولة وثقة، موضحاً، أن الاعتماد على سحب الأمانات والودائع لتغطية النفقات الجارية يمثل حلاً مؤقتاً وخطيراً في آن واحد، مؤكداً، أن استمرار تعطيل الرواتب، بالتزامن مع تحميل القطاع الخاص أعباءً ضريبية وكمركية إضافية، سيؤدي إلى انكماش اقتصادي واضح، ويضعف القدرة الشرائية، وقد يدفع شرائح واسعة نحو الفقر أو الاحتجاج”.
ولفت الى ان “السياسة النقدية التي تدار في البلد تعاني التخبط وتتحمّلها بالدرجة الأساس وزارة المالية والبنك المركزي، وذلك لعدم وضع رؤية اقتصادية استراتيجية تعتمد على خطط خمسية أو عشرية، مبيناً، ان أغلب القرارات متناقضة وكان آخرها قرارات رفع الضرائب والتعرفة الكمركية ومن ثم تراجعت بتخفيضها ضمن نظام الاسيكودا، بالإضافة الى الكثير من القرارات التي أدخلت البلد في متاهة اقتصادية انعكست بشكل مباشر على قوت المواطن.
وتابع، ان “الإجراءات المالية ومنذ عام 2003 الى الآن خلقت فجوة وأزمة ثقة بين المواطن والمصارف بسبب ضبابيتها في التعامل مع المودعين، مما دفعت الأخيرة الى اكتناز مبالغهم داخل المنازل، كما ان البنك الفيدرالي الأمريكي يتعامل مع المصارف وفق المنهج السياسي ويفرض عقوبات اقتصادية مع أية جهة تتعارض مع توجهاتهم، هذا أيضا أحد العوامل التي أربكت عمل المصارف داخل البلاد”.
وحذر خليفة من المساس بأموال الموظفين والرعاية الاجتماعية أو التقاعد، لأنه سيترك أثراً اجتماعياً بالغ الخطورة، داعياً إلى مصارحة الرأي العام بحقيقة الوضع المالي، وإعادة النظر بالسياسات المالية والكمركية، وتقديم حلول جذرية تضمن حماية الفئات الضعيفة واستعادة الثقة بالمؤسسات المالية.



