قرارات المالية تثير قلق الموظفين وتنذر بواقع اقتصادي مجهول

بعد تأخير الرواتب وفرض الشروط
المراقب العراقي/ أحمد سعدون
في ظل بوادر الأزمة المالية التي يمر بها البلد وفق تصريحات بعض المسؤولين والمحللين الاقتصاديين، تصدّر ملف الرواتب المشهد الحكومي والشعبي، وعلى إثرها اتخذت حكومة تصريف الأعمال، إجراءات تقشفية لتقنين النفقات التشغيلية، وكان آخرها تجديد وزيرة المالية طيف سامي دعوتها إلى جميع الوزارات والجهات غير المرتبطة بوزارة والمحافظات، بضرورة تزويد وزارتها بالقوائم والجداول التفصيلية الخاصة برواتب منتسبيها على الملاك الدائم والعقود والأجراء اليوميين، على أن يكونوا من المصروفين فعلياً خلال السنة السابقة، ومرفقة بقرص(CD) مدمج، بعد تدقيقها وتوقيعها من قبل مديري الحسابات والأقسام المالية والتدقيق ورؤساء الدوائر أو من يخوّلهم القانون.
هذا الإجراء الذي يبدو ادارياً في ظاهره، لكنه يكشف عن وجود أزمة بالتنسيق بين وزارة المالية ومؤسسات الدولة والذي بدوره انعكس على شريحة الموظفين، مما ولّد لديهم حالة من القلق والخوف من المساس بقوت يومهم، وأثار تساؤلات جدية حول أسباب المطالبة بهذه القوائم في هذا التوقيت الحرج، ولماذا لم تستكمل هذه الإجراءات في السنوات السابقة، خصوصاً أن الرواتب تمثل التزاماً ثابتاً ومعلوماً ضمن الموازنات العامة.
الواقع أن طلب وزارة المالية يعكس وجود فجوة واضحة في منظومة الإدارة المالية للدولة، حيث مازالت البيانات المتعلقة بالموظفين والرواتب غير موحدة، وتعتمد في كثير من الأحيان على سجلات ورقية أو أنظمة غير مترابطة بين المركز والجهات التنفيذية، هذا الخلل البنيوي أدى إلى تراكم معلومات غير دقيقة، وفتح المجال أمام أخطاء في الصرف، وربما حالات ازدواج أو تضخم وظيفي، وهو ما تحاول الوزارة معالجته اليوم ولكن بأسلوب متأخر.
بينما يرى مراقبون، ان “إجراءات وزارة المالية الأخيرة شيء طبيعي جاءت لترتيب النفقات التشغيلية، بدءًا بالرواتب التي تمثل الثقل الأكبر في الموازنة العامة، لتكوين صورة مالية دقيقة عن حجم الالتزامات الحقيقية للدولة، تمهيدًا لأي قرارات مالية مستقبلية” .
وفي السياق نفسه، أكد الخبير الاقتصادي دريد العنزي في حديث لـ”المراقب العراقي”، ان “تأخير إقرار الموازنة خلال السنوات الثلاث، ولّد تداعيات مالية كبيرة على البلد من خلال استخدام صلاحيات بالصرف غير مخولة ومن دون دراسة أو تخطيط، خلافاً للقواعد الرسمية، مما أثر على شريحة الموظفين وأصحاب الدخل المحدود” .
وأضاف، ان “السياسة المالية للبلد تتصف بالفشل وذلك نتيجة للاعتماد الشامل على الإيرادات النفطية دون تنويع مصادر الاقتصاد كالزراعة والصناعة والقطاع الخاص، بالإضافة الى غياب الرقابة على مؤسسات الدولة والمشاريع الوهمية، ناهيك عن الرواتب الخيالية التي تتقاضها الرئاسات الثلاث وبعض الوزارات دون توزيع عادل بين الموظفين، هذه الأمور جميعها أسهمت في خلقت فجوة واسعة بين المواطن والدولة”.
ولفت العنزي الى أن “وزارة المالية تعمل تحت ضغط كبير، وتحاول استعادة السيطرة على واحدة من أخطر مفاصل الإنفاق العام، لكنها تصطدم بواقع إداري مترهل، وضعف بالتزام المؤسسات بإجراءات التوثيق والتدقيق، فضلًا عن تأخرها في تزويد الوزارة بالبيانات المطلوبة”.
وبين، ان “هذا الواقع لا يضر فقط بالإدارة المالية للدولة، بل ينعكس بشكل مباشر على الموظفين والعاملين بالعقود والأجور اليومية، الذين يجدون أنفسهم في دائرة القلق مع كل تأخير أو تعقيد جديد”.
من جهة أخرى، فإن تحميل الموظف تبعات هذا الخلل الإداري يمثل إشكالية أخلاقية واقتصادية في آن واحد، إذ إن تنظيم ملف الرواتب لا ينبغي أن يتحول إلى أداة ضغط على شريحة تعيش أصلًا تحت وطأة الغلاء وارتفاع تكاليف المعيشة، الإصلاح الحقيقي، وفق آراء اقتصادية، لا يكون بإجراءات مفاجئة في أوقات الأزمات، بل ببناء نظام مالي متكامل، قائم على قواعد بيانات موحدة، وأنظمة إلكترونية شفافة، وتنسيق دائم بين وزارة المالية وبقية مؤسسات الدولة.



