القرارات التقشفية تربك الشارع وتكشف فشل الإدارة الاقتصادية

بعد استهداف رواتب الموظفين
المراقب العراقي / أحمد سعدون..
في ظل القرارات التقشفية التي أصدرتها حكومة تصريف الأعمال، ولا سيما ما يتعلق باستقطاع المخصصات الجامعية وبعض القرارات الاقتصادية الأخرى ، برزت حالة من الاستياء الشعبي، تُرجمت إلى احتجاجات متواصلة قادتها هذه الشريحة التي رَتَّبت التزاماتها المعيشية لسنوات طويلة اعتماداً على تلك المخصصات.
وتمس هذه القرارات شريحة أكاديمية فاعلة، كما أنها تُحمِّل المواطن نتائج إخفاقات حكومية متراكمة، وأن معالجة الأزمات المالية لا ينبغي أن تبدأ من الفئات ذات الدخل المحدود أو المتوسط ، بل من مراكز صنع القرار التي ساهمت بخلق فجوات كبيرة بين رواتب الموظفين.
ونتيجة هذه الإجراءات، تصاعدت مطالبات جماهيرية دعت إلى شمول موظفي الرئاسات الثلاث بإجراءات التقشف، باعتبارهم من أعلى الشرائح دخلاً منذ عام 2003 وحتى اليوم، الأمر الذي أسهم بتكريس فروقات طبقية واضحة داخل مؤسسات الدولة، وأثقل كاهل الموازنة العامة برواتب ومخصصات عالية.
مراقبون للشأن الاقتصادي والقانوني يرون أن” قرارات حكومة تصريف الأعمال تفتقر إلى السند القانوني الكامل، مشيرين إلى أن الحكومة المقبلة تمتلك صلاحية إلغائها أو عدم الأخذ بها، خصوصاً إذا ما ثبت تأثيرها المباشر على الاستقرار الاجتماعي والمعيشي، مؤكدين أن أي سياسة مالية يجب أن تراعي البعد الإنساني، وأن تبتعد عن المساس بقوت المواطن الذي دفع مراراً ثمن أخطاء الحكومات المتعاقبة”.
ويُحمِّل المختصون الحكومات السابقة مسؤولية تعميق الأزمة الاقتصادية، نتيجة الاعتماد شبه الكلي على النفط بنسبة تقارب 90 بالمئة من موارد الدولة، دون العمل الجاد على تنويع مصادر الدخل عبر تفعيل القطاعين الزراعي والصناعي، إلى جانب إهمال القطاع الخاص الذي بقي ضعيفاً ومهمشاً طوال العقود الماضية.
وتزداد المخاوف مع تزايد المؤشرات على أزمة مالية محتملة، في ظل تذبذب أسعار النفط، إلى جانب الاضطرابات التي يشهدها الاقتصاد العالمي نتيجة سياسات الإدارة الأمريكية برئاسة دونالد ترامب، والتي أحدثت هزات واضحة أثّرت بشكل خاص على الدول ذات الاقتصاد الريعي، ويأتي العراق في مقدمتها.
وحول هذا الموضوع أكد المهتم بالشأن الاقتصادي ضياء الشريفي في حديث لـ” المراقب العراقي “، أن” اللجوء إلى الإجراءات التقشفية التي تمس دخل المواطن يمثل خياراً سهلاً لكنه غير عادل، مؤكداً أن معالجة الأزمة المالية تتطلب حلولاً جذرية لا تُبنى على حساب قوت الفئات المحدودة الدخل أو الشرائح الأكاديمية، مشيراً إلى أن أي إصلاح اقتصادي حقيقي يجب أن يبدأ بمحاسبة الفاسدين واسترداد الأموال العامة المهدورة، باعتبارها مورداً يمكن أن يسهم في سد جزء كبير من العجز المالي دون تحميل المواطن أعباءً إضافية”.
وأضاف، أن “استمرار الاعتماد على النفط كمصدر رئيس للإيرادات يضع الاقتصاد العراقي في دائرة الخطر مع كل تقلب في الأسعار، ما يستوجب الإسراع في تبني مشاريع استراتيجية غير نفطية، تشمل إحياء القطاعين الزراعي والصناعي، وتشجيع الاستثمار المحلي والأجنبي، إضافة إلى تهيئة بيئة حقيقية لدعم القطاع الخاص بوصفه شريكاً أساسياً في التنمية وتوفير فرص العمل”.
وتابع الشريفي أن” الإصلاح الاقتصادي لا يمكن أن ينجح عبر قرارات مؤقتة أو ترقيعية، بل يحتاج إلى رؤية شاملة طويلة الأمد، توازن بين الاستقرار المالي والعدالة الاجتماعية، وتضع مصلحة المواطن أساساً لأي سياسة مالية مقبلة”.
وأمام هذا الواقع، يؤكد الخبراء أن” المرحلة تتطلب حلولاً استراتيجية بعيدة المدى، تبدأ بإعادة النظر في هيكل الإنفاق العام، وتقليل النفقات غير الضرورية، وخفض رواتب ومخصصات المسؤولين العالية ورواتبهم التقاعدية التي تشكل عبئاً كبيراً على خزينة الدولة، بالتوازي مع إطلاق إصلاحات اقتصادية حقيقية تعيد التوازن وتضع المواطن في صدارة الأولويات، لا في واجهة الأزمات”.



