ما حقيقة الموت ؟


هو آخر أيام الدنيا وأول منازل الآخرة، وهو بمثابة القنطرة التي يعبر عبرها الإنسان من مكان إلى آخر، والموت هو هذه القنطرة التي يعبر من خلالها الإنسان من عالم الدنيا إلى عالم الآخرة.إلى عالم لا زيف فيه حيث تبدو كلُّ الحقائق ماثلة أمام العين، وهو ارتقاء لمرحلة أقوى وأشد حياة من الحياة الدنيوية المادية. فقد وصفت الروايات الشريفة الموت بالعديد من الأوصاف، منها..الجسر:وصف النبيّ الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم الموت بقوله: “الدنيا سجن المؤمن وجنّة الكافر، والموت جسر هؤلاء إلى جنّاتهم وجسر هؤلاء إلى جحيمهم” فحرية المؤمن في التخلص من قيود الدنيا وأسرها، لعالم القرب من الله تعالى، وكلُّ ما في الدنيا بالنسبة له بلاء وامتحان، ولذلك كانت سجنا كبيرا، أمّا بالنسبة للكافر فالدنيا هي الجنّة لأنّه لم يعش فيها بهمٍّ سواها، ولم يكن يعمل لذلك اليوم الذي هو أحوج ما يكون فيه لِما استغلّه في دنياه التي ذهبت إلى غير رجعة، ولات حين مندم..القنطرة: وتحدّث الإمام الحسين بن علي عليه السلام عن الموت فقال: “ما الموت إلاّ قنطرة تعبر بكم من البؤس والضّراء إلى الجنان الواسعة، والنعيم الدائم، فأيُّكم يكره أن ينتقل من سجن إلى قصر؟” . فهو ليس بالنهاية، بل هو البداية للعالم الآخر، العالم الذي تتجلى فيه كلُّ الحقائق التي لم نكن ندركها بالحواس المحدودة في إطار المادة، فهناك العالم الأرحب، ولذا شبّهها عليه السلام بالقصر..النوم الطويل: فقد سئل الإمام الباقر عليه السلام: ما الموت؟ قال: “هو النوم الذي يأتيكم كلّ ليلة إلاّ أنّه طويل مدّته، لا يُنتبه منه إلى يوم القيامة…” والموت سنّةٌ عامةٌ في الخلق قال تعالى: “وما جعلْنا لِبشر مِنْ قبْلِك الْخُلْد أفئِنْ مِتّ فهُمُ الْخالِدُون” وقال تعالى: “كُلُّ نفْسٍ ذائِقةُ الْموْت” إنّ الموت هو الحقيقة الحتمية التي لا مفر منها لأحد، مهما علا شأنه في الدنيا، فالبشر يموتون حتى الأنبياء منهم، ولو كان الخلد يحقُّ لأحد لفضل استحقه، لكان الأنبياء صلى الله عليه وآله وسلم أحقّ الناس بالخلد، وإلى هذا المعنى أشار أمير المؤمنين عليه السلام في الشعر المنسوب اليه في رثاء حبيبه رسول الله الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم: الموتُ لا والداً يُبْقِي ولا ولداً…. هذا السبيل إلى أن لا ترى أحدا….هذا النبيُّ ولم يخلدْ لأمّتِهِ لو خلّد الله خلقا قبْلهُ خلدا….للموت فينا سهامٌ غيرُ خاطئةٍ من فاته اليوم سهمٌ لم يفُتهُ غدا, ويقول الإمام علي عليه السلام: “ولو أنّ أحدا يجد إلى البقاء سلّما، أو لدفع الموت سبيلا، لكان ذلك سليمان بن داود عليه السلام، الذي سخّر له ملك الجنّ والإنس” فما حقيقة الموت؟ أكّد بيان الله تعالى في القرآن الكريم، في أكثر من موضع، أنّ الموت ليس عدما، وإنّما هو انتقال من الحياة الدنيوية هذه إلى الحياة البرزخية التي تفصل ما بين الحياة الدنيا والحياة الآخرة.ولمّا كان الموت فيما أخبر عنه القرآن الكريم انفصال الروح عن الجسد فإنّ كلّ ما نراه من أمور عند موت الإنسان،كسكون القلب، وغياب الإحساس،… هذه الأمور وأمثالها ليست هي جوهر الموت، وإنّما هي من عوارضه وآثاره. وقد يؤمن أناس بأنّ الموت هو انتهاء من الحياة إلى العدم، فأصبحت كلمة “العدم” تعبيرا عن الموت عندهم، ولكنّ الموت -كما أخبرنا عنه “خالق الموت والحياة عزّ و جلّ”- ليس عدما، بل هو انتقال الكائن الحيّ من هذه الحياة الدنيا إلى حياة البرزخ.. ومن ثم لما أعدّه الله له من نعيم القبر أو عذابه.. يقول الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام: “أيّها الناس، إنّا خلقنا وإيّاكم للبقاء، لا للفناء لكنّكم من دار إلى دار تنقلون” فالموت هو المرحلة الثالثة من أربع مراحل جعل الله سبحانه وتعالى الإنسان على ميعادٍ معها: المرحلة الأولى: حياة الأجنّة، إذ يكون الجنين في عالم الأرحام.المرحلة الثانية: هي مرحلة هذه الحياة الدنيا، التي نتقلّب في غمارها ونبتلى فيها، وهي الفرصة السانحة لنا للتزود فيها لسفر الآخرة الطويل والشاق.المرحلة الثالثة: هي الحياة البرزخيّة، التي نحن على ميعادٍ معها عمّا قريب. المرحلة الرابعة والأخيرة: هي مرحلة الحياة الآخرة.وكلُّ مرحلة من هذه المراحل الأربع أوسع من المرحلة التي قبلها، فمرحلة الحياة الدنيا أوسع بكثير من تلك المرحلة التي كنّا نتقلّب فيها حينما كنّا في عالم الأرحام، ومرحلة الحياة البرزخيّة هي أوسعُ بكثيرٍ وأقوى من هذه الحياة التي نتقلّب فيها اليوم.



