الطمع.. إهانة للنفس وسلب لقيمتها

“أَزْرَى بِنَفْسِهِ مَنِ اسْتَشْعَرَ الطَّمَعَ”
تفيد كلمة “أَزْرَى” معنى التحقير والإهانة، بينما تدل كلمة “اسْتَشْعَرَ” على الإضمار والإخفاء وهي مشتقة من “الشِعار”. في اللغة العربية، “الشِّعار” یطلق على الملابس الداخلية التي تلامس الجسد وتلتصق به، بینما “الدِّثار” يُطلق على الملابس الخارجية أو كل ما يُستخدم للغطاء كالمِلاءة أو البطانية وهذا الاستخدام البليغ يوحي بأن الطمع، شأنه شأن اللباس الداخلي، فكما أن اللباس الداخلي (الشِّعار) يحيط بجسم الإنسان بلا واسطة، كذلك الطمع يتغلغل في باطن الإنسان، ويستحوذ على قلبه ويسيطر على روحه.
قيمة الإنسان الذاتية
يُشير هذا القول، بالدلالة الالتزامية، إلى قدر الإنسان وقيمته. بمعنى أنه لو كان الإنسان فاقدًا للقيمة والمنزلة الذاتية، لما كانت له كرامة تُنتهك أو تُهدر بالطمع وحسب التعبیر العلمي كان “سالبًا بانتفاء الموضوع”.
لكل شيء قيمة خاصة، لكن قد یفقد قیمته بأمور وأسباب. فعلى سبيل المثال: الذهب أثمن من الفضة، والألماس أغلى من التراب؛ لكن إذا وُضع الذهب بمحاذاة الزئبق، فإنه يفقد قيمته. الأمور المعنوية أيضا تتمتع بقيمة ذاتية؛ فـالعلم، على سبيل المثال، بحد ذاته ذو قيمة؛ ولكن إن اقترن بالتكبّر أو التزلّف للأثرياء أو المتسلطين، فإنه يفقد قيمته.
للإنسان قيمة وكرامة ذاتیة، ويمكن أن يكون مصدرًا لعشرات الفضائل والقيم الأخلاقية. هذه القيمة متأصّلة وعظيمة، كما أكّدها القرآن الكريم: “وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ” و “وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا” لكن كما أن الجواهر الثمينة (كالعلم) تفقد قيمتها إذا خالطها ما يُفسدها (كالغرور أو التملق)، فإن تغلغل صفة الطمع في جوهر هذا الإنسان الرفيع، يُجرّده من قيمته الذاتية.
عمومية الطمع وتأثيره
الطمع مفهوم عام يشمل مصاديق كثيرة كالمال، والشهرة، والمنصب؛ والطمع في أي منها یُفقد الانسان كرامته ومكانته الذاتیة. لكن أحیانا یتستر الشخص على طمعه ویتصرف بحیث لا يكتشفه المحيطون به؛ في هذه الحالة قِيمتَه الذاتية تتلاشى وتزول. أما إذا تجاهر بطمعه بحیث اطّلع المحيطون على هذه الصفة، فإنها لا تقوّض قيمته الذاتية فحسب، بل يُعرّض كرامته للخطر ويُقلل من منزلته في المجتمع أيضًا.
إن الحرص والطمع، وإن كانا مكروهين في مراحلهما الأولية، لكن قد يدفعان المرء إلى ارتكاب أفعال محرّمة إذا اشتدّا؛ فمن يتذلّل للأثرياء يَهِن شخصيته فقط، اما من يمدح الحكام الجائرين طمعًا في الدنيا، يكون قد جمع بين ذلّ النفس وفعل الحرام.
الروح الخالية من الطمع
في مقابل الطمع، تأتي روح الاستغناء وغنى الطبع، والتي شُبِّهَتْ بِـكَنْزٍ لا يَنْفَد؛ ذلك لأن المال والثروة مهما كثُرا فإنهما إلى زوال، في حين أن القناعة كنزٌ لا ينتهي.
تتجسد هذه العزّة في قصص رفض العظماء لمصاحبة الملوك أو طلب الحاجة منهم. يُروى عن أحد العلماء أنه كان يتجنب مقابلة الملك وذلك على رغم الرغبة الشديدة للملك في لقائه. عزم الملك على الذهاب إلى مشهد واتخذ من ذلك ذريعة للمرور بمدينة إقامة هذا العالم. عندما وصل إلى مقر إقامة العالم، جلس ينتظر أن يأتيه العالم للزيارة، ولكن قيل له إن “العلّامة مشغول بـدروسه وليس لديه وقت لمقابلته”. ذهب الملك بنفسه لزيارة العلّامة وطلب منه أن يطلب أي شيء يتمناه، ولكنه امتنع عن إظهار أي حاجة أو طلب.
ويُروى أيضاً أن ملكاً مرّ بمسكين يستريح تحت أشعة الشمس؛ فقال له السلطان: “ما حاجتك؟ اطلبها لأقضيها لك”. فأجاب المسكين: «طلبي أن تبتعد قليلاً كي أستفيد من نور الشمس!”



