اراء

هل يتسبب دونالد ترامب في انهيار الإمبراطورية الأمريكية؟

بقلم: رامي الشاعر..

نشر الرئيس دونالد ترامب، على موقع “تروث سوشيال”، أن ميزانية الجيش الأمريكي لعام 2027 يجب أن تبلغ 1.5 تريليون دولار، وهو مبلغ أعلى بكثير من 901 تريليون دولار التي أقرها الكونغرس لعام 2026.

وبينما يقول الخبراء، إن هذه الزيادة ستزيد من الدين العام الأمريكي (38 تريليون دولار حتى ساعته وتأريخه، حيث توضح الساعة الموجودة في الرابط ارتفاع هذا الدين كل ثانية، بعدما وصل إلى 124% من الناتج المحلي الإجمالي)، يزعم ترامب أن عائدات الرسوم الكمركية التي فرضها ستغطي زيادة الإنفاق.

لكن أية زيادة من هذا القبيل ستتطلب موافقة الكونغرس، وهو ما يشكل تحديا، على الرغم من عدم رغبة الجمهوريين الذين يتمتعون بأغلبية ضئيلة في كل من مجلسي الشيوخ والنواب في الاعتراض على خطط ترامب للإنفاق.

وقد قدرت لجنة الميزانية الفيدرالية المسؤولة وهي مركز أبحاث غير حزبي عائدات الرسوم الكمركية بـ288 مليار دولار في عام 2025، وهو مبلغ أقل بكثير من 600 مليار دولار التي قال ترامب إن رسومه الكمركية ستجنيها.

كذلك فإن آخر مرة تشهد فيها وزارة الدفاع/ الحرب الأمريكية زيادة تتجاوز 50% كانت عام 1951، خلال الحرب الكورية، حتى أن الزيادات الهائلة في الإنفاق العسكري في عهد الرئيس السابق رونالد ريغان عامي 1981-1982 بلغت 25% و20% على التوالي.

يأتي ذلك في ظل تصريحات أخرى مقلقة لترامب، عقب اختطافه رئيس فنزويلا نيكولاس مادورو والسيدة الأولى سيليا فلوريس، 3 كانون الثاني الجاري، حيث قال: إن روسيا والصين لا تخشيان “الناتو” بدون الولايات المتحدة، وأعرب عن شكه في أن الحلف سيقف بجانب الولايات المتحدة إذا ما احتاجت إليه.

ما نراه ماثلاً للعيان هو تحرك الرئيس ترامب على أربعة محاور:

المحور الأول هو السيطرة الكاملة على النفط الفنزويلي، حيث تمتلئ ناقلات النفط بالنفط، وخلال أسبوعين من الآن، ستعجز فنزويلا عن ضخ المزيد من النفط بسبب الحصار التام الذي تفرضه الولايات المتحدة على النفط الفنزويلي، وبالتالي يرغب ترامب في بيع هذا النفط في السوق العالمية لصالح الولايات المتحدة، على أن تذهب عوائد البيع “إلى الشعب الفنزويلي” تحت إشراف أمريكي، ويعلم الله وحده كيف سيقوم بذلك بدون قوات أمريكية على الأرض الفنزويلية! وفي هذا الملف سيسعى ترامب طبعا إلى إزاحة كل من الصين وروسيا من فنزويلا، بالتعاون مع السلطات الفنزويلية الحالية، وهو أيضا أمر مشكوك في إمكانية تحقيقه في ظل وجود القائمة بأعمال الرئاسة الفنزويلية ديلسي رودريغيز، التي صرحت بأنها لن تجعل من فنزويلا “مستعمرة أمريكية”، وتطالب الولايات المتحدة بإعادة الرئيس الشرعي نيكولاس مادورو.

المحور الثاني هو محاولة التوجه شمالا نحو القطب الشمالي، حيث يبدو أن أنكوريج، ومشروعات أنكوريج التي طرحها آنذاك الممثل الخاص للرئيس الروسي لشؤون التعاون الخارجي والاستثمارات الأجنبية، ورئيس الصندوق الروسي للاستثمارات المباشرة كيريل دميتريف حول الاستثمار المشترك بين روسيا والولايات المتحدة في القطب الشمالي وآفاق هذا التعاون المثمرة والمفيدة لجميع الأطراف (روسيا، الولايات المتحدة، الصين، أوروبا). اليوم يرغب ترامب في “مواجهة” ما يسميه “الخطر الصيني والروسي” في القطب الشمالي، ويصف غرينلاند بأنها “محاطة بسفن صينية وروسية”. ولا تقل تلك المحاولات للسيطرة على غرينلاند في هذه اللحظة الراهنة رعونة ولا حماقة من اختطاف مادورو ومحاولات السيطرة على فنزويلا والنفط الفنزويلي.

المحور الثالث، افتعال استفزازات واضحة ومحددة تجاه الصين وروسيا، سواء على المستوى الاقتصادي، أو على المستوى السياسي بإحراجهما واختطاف الرئيس الشرعي نيكولاس مادورو الذي تدعمه كل من الدولتين، وهو ما لقي رداً صارماً من جانب روسيا والصين على حد سواء في مجلس الأمن الدولي، كما لقي تنسيقاً واضحاً في دول أمريكا اللاتينية بشجب ورفض أية محاولات لانتهاك سيادة الدول في هذه المنطقة من العالم.

المحور الرابع هو المضي قدما في بيع الأسلحة الهجومية لأوكرانيا والسماح باستخدامها في العمق الروسي وتزويد الجيش الأوكراني بكل البيانات الاستخباراتية لحلف “الناتو”، وإطلاق موجة من العسكرة في أوكرانيا وأوروبا.

وهذا ما تعتبره روسيا، خطة خبيثة من الغرب تبتعد كل البعد عن أي مسار للتسوية السلمية، وأي مفاوضات بشأن السلام، وتهدف فقط للتصعيد. حيث أكدت موسكو، أن نشر الوحدات والمنشآت العسكرية في أوكرانيا سيصنف بكونه تدخلا يشكل تهديدا لروسيا ودول أوروبية أخرى، وستعتبر روسيا تلك الوحدات والمنشآت أهدافاً مشروعة للقوات المسلحة الروسية. وأكدت الخارجية الروسية في هذا السياق، أن التوصل إلى حل سلمي للصراع الأوكراني لا يتحقق إلا بمعالجة أسبابه الجذرية وعودة كييف إلى وضع الحياد.

إن تصريح ترامب بأن روسيا والصين “لا تخشيان (الناتو) بدون الولايات المتحدة” يؤكد تورط الولايات المتحدة في جميع الأعمال القتالية الهجومية التي جرت ومازالت تجري على أرض أوكرانيا بأيادي الأشقاء الأوكرانيين الواقعين تحت تأثير خداع أوروبا والغرب والولايات المتحدة ويضحون بحياتهم دفاعا عن مصالح هؤلاء حتى آخر جندي أوكراني. وتصريح ترامب يعني ببساطة، أن شيئا لا يحدث في أوروبا دون موافقة وعلم ومباركة الولايات المتحدة، وهو ما يعني ضمنيا، أن الولايات المتحدة هي من هاجم القوات الاستراتيجية الروسية، والولايات المتحدة هي من قدمت البيانات الاستخباراتية للهجوم على المقر الرئاسي للرئيس بوتين نهاية العام المنصرم بـ 91 طائرة مسيرة أوكرانية. والولايات المتحدة هي المتورطة في قتل مئات الآلاف من الروس والأوكرانيين وتدمير مئات القرى والمدن الأوكرانية.

وتصريح ترامب ليس سوى اعتراف واضح وصريح من قبل الرئيس الأمريكي بأنه لا يمكن أن يكون هناك دور لحلف “الناتو” كقوة عسكرية مؤثرة بدون الولايات المتحدة، وأنه التهديد الوحيد الذي يمكن التلويح به أمام روسيا والصين، سواء في أوروبا أو في آسيا، والحديث عن أن أوروبا لن تقف إلى جانب الولايات المتحدة في حال المواجهة، يؤكد خوف وهلع أوروبا من حدوث أي صدام نووي، لأنها القارة التي ستفنى قبل أي مكان آخر على كوكب الأرض.

أعتقد أن الداخل الأمريكي يموج بتطورات قد تضطر ترامب إلى التراجع عن مسار التهلكة الذي يدفع بالولايات المتحدة الأمريكية نفسها إلى الانهيار، فلا يمكن لإمبراطورية، وهكذا علمنا التأريخ، أن تواجه العالم بأسره، والصدع الذي يتسبب في انهيار الإمبراطورية إنما يبدأ حينما تصاب الإمبراطورية بالتخمة، وتعجز عن هضم واستيعاب القدر غير المعقول من الأراضي والثروات والقواعد العسكرية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى