اراء

اغتیال لاريجاني.. لماذا لا تسقط إيران رغم اغتيال قادتها

بقلم/ د. حامد أبو العز..
ليست كل الحروب تُخاض بالسلاح وحده، فبعضها يبدأ بخطأ في الفهم قبل أن يبدأ بإطلاق النار. وهذا تحديداً ما يكشفه هذا المشهد في الحرب على إيران حيث بُنيت على تصور نظري هش، لا على قراءة حقيقية لطبيعة الدولة المستهدفة. الفكرة التي انطلقت منها الضربة كانت واضحة وبسيطة، إذا قُطع الرأس، سيسقط الجسد. لكن ما حدث على الأرض لم يكن مجرد فشل في التنفيذ، بل كان انهياراً كاملاً لفرضية كاملة.
لقد افترضت إسرائيل وأمريكا أن اغتيال القادة الإيرانيين، وعلى رأسهم القائد علي خامنئي، سيُحدث صدمة لا يمكن للنظام استيعابها. تصوروا أن النظام قائم على أشخاص، وأن غياب هؤلاء الأشخاص سيخلق فراغاً قاتلاً. لكن هذا التصور لم يكن فقط خاطئاً، بل كان ساذجاً إلى حد بعيد، لأنه تجاهل طبيعة النظام الإيراني نفسه. نظام بُني على مبدأ الاستمرارية، لا على مركزية الفرد.
عندما بدأت سلسلة الاغتيالات، وسقطت أسماء ثقيلة مثل عبد الرحيم موسوي، وعزيز نصير زادة، وعلي شمخاني، ومحمد باكبور، بدا في الظاهر أن الضربة موجعة. لكن ما لم يكن مرئياً هو ما كان يحدث في العمق حيث لم يكن هناك فراغ أصلاً. كل موقع قيادي في إيران لم يكن له بديل واحد، بل سبعة مستويات من البدائل، معدة سلفاً، مدربة، وموزعة على طبقات هرمية دقيقة. أي أن كل قائد هو مجرد حلقة في سلسلة ممتدة، وإذا انقطعت حلقة، فإن التي تليها تتقدم فوراً دون ارتباك.
وهنا تحديداً يتجلى الفرق بين نظام يعتمد على الأشخاص، ونظام يعتمد على البنية. في الأنظمة الهشة، يكون القائد هو العقدة المركزية، وإذا سقط، انهارت الشبكة. أما في إيران، فالشبكة نفسها هي القائد. لهذا لم تمر دقائق حتى كانت البدائل قد تسلمت مواقعها، ولم تمر نصف ساعة حتى كانت العمليات العسكرية قد بدأت. ليس كرد فعل عشوائي، بل كجزء من خطة جاهزة، وكأن الضربة كانت متوقعة ضمن سيناريوهات مسبقة.
هذا لا يعكس فقط جاهزية عسكرية، بل عقلية دولة تفكر في أسوأ الاحتمالات وتبني نفسها على أساسها. فكرة “البدائل السبعة” ليست مجرد إجراء احترازي، بل فلسفة حكم. لا أحد لا يُستبدل، ولا موقع بلا ظل، ولا قرار معلق على شخص واحد. إنها دولة تُدار كمنظومة مستمرة، لا كسلطة مؤقتة.
لكن الخطأ لم يكن مؤسسياً فقط، بل اجتماعياً أيضاً. الرهان كان أن الضغط الخارجي، مع اغتيال القيادات، سيُفجر الداخل الإيراني. أن الشعب، الذي شهد احتجاجات في سنوات سابقة، سينقلب على النظام في لحظة. غير أن ما حدث كان العكس تماماً.
فجأة، اختفت خطوط الانقسام. الذين كانوا في الشوارع ضد النظام، أصبحوا في الشوارع ضد الحرب. الذين اختلفوا مع السلطة، التفوا حول الدولة. لأن المعادلة تغيرت فلم يعد الصراع داخلياً، بل أصبح تهديداً خارجياً يمس وجود البلاد نفسها. وهنا تحضر خاصية عميقة في المجتمعات ذات التاريخ الطويل. عندما يُهدد الكيان، تتراجع الخلافات، وتظهر طبقة أعمق من الانتماء.
إيران ليست دولة طارئة على التاريخ. هي كيان تشكل عبر آلاف السنين، مرّ بإمبراطوريات وسقوطات وغزوات، لكنه احتفظ دائماً بجوهره. هذه الاستمرارية التاريخية ليست مجرد فخر ثقافي، بل هي مصدر صلابة سياسية. لأنها تخلق وعياً جمعياً بأن الدولة أكبر من النظام، وأبقى من أي مرحلة عابرة.
ومن هنا، فإن الاغتيالات لم تُفهم داخلياً كضربات ذكية، بل كتهديد لمحاولة تفكيك هذا الكيان. وهذا ما جعل حتى المعارضين يعيدون تموضعهم ليس دفاعاً عن النظام، بل عن وحدة البلاد. وهذا التحول الشعبي هو ما لم تحسب له الاستراتيجية أي حساب.
أما على المستوى العسكري، فقد كشفت التطورات بين عمليات “الوعد الصادق 3″ و”الوعد الصادق 4” عن شيء أكثر أهمية هو أن الضربات لم تُضعف القدرة العملياتية، بل ساهمت في تسريع تطورها. الدقة زادت، التنسيق تحسن، والاستجابة أصبحت أسرع. وهذا ليس أمراً غريباً، بل نتيجة طبيعية لنظام يحتفظ بخبراته داخل مؤسساته، لا داخل أفراده.
عندما يُغتال قائد في مثل هذا النظام، لا تختفي خبرته، لأنها ليست ملكه وحده. هي موزعة، موثقة، ومُدرّسة داخل المؤسسة. بل إن فقدانه قد يدفع إلى إعادة تقييم، إلى تحسين، إلى تصحيح أخطاء كانت كامنة. وهكذا تتحول الضربة إلى محفز غير مباشر للتطوير.
إن أكبر وهم في هذه الحرب كان الاعتقاد بأن القوة تكمن في استهداف الأشخاص. بينما الحقيقة التي كشفتها الأحداث هي أن القوة الحقيقية تكمن في البنية وفي القدرة على الاستبدال، في تعدد مراكز القرار، في وجود خطط بديلة جاهزة، وفي مجتمع قادر على إعادة توحيد نفسه تحت الضغط.
لقد كانت هذه الحرب اختباراً، لا فقط للسلاح، بل للفهم. ومن خسر في هذا الاختبار لم يكن من تلقى الضربة الأولى، بل من بنى استراتيجيته على قراءة خاطئة. لأن أخطر ما يمكن أن تواجهه دولة ليس عدواً قوياً، بل عدواً لا يفهمها.
وفي النهاية، ما حدث لم يكن مجرد فشل عملية اغتيال، بل فشل فكرة كاملة هي أن الدول تُسقط بقتل قادتها. لأن الدول الحقيقية لا تُختزل في أشخاص، بل تُبنى على منظومات. وإذا كانت هذه المنظومات مصممة على الاستمرار، فإن كل ضربة لا تُنهيها، بل تعيد تشكيلها… وتجعلها أكثر قوة مما كانت عليه.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى