اخر الأخباراوراق المراقب

الإمام علي”ع” .. أفكار حيّة مزروعة في الوجدان البشري

إن ذكرى ولادة الإمام علي (ع)، يجب أن تعيدنا إلى الفكر الذي طرحه، وتجعلنا ننهل منه فردا فردا، لكي نعود إلى منطقة التنافس الإيجابي بيننا وبين الأمم الأخرى، فليس معقولا ولا مقبولا أن تبقى الأمة التي تنتمي إلى هذه الشخصية الخالدة في علميَّتها وأفكارها، خارج دائرة أو منطقة التنافس الإيجابي بين الأمم…

لقد اجتمعت في شخصية الإمام علي عليه السلام ميزات كثيرة ومهمة، ومنها ما هو لا يجتمع في شخصية واحدة، فقد وجدنا الأعلمية بأعلى درجاتها عند الإمام، وهو سابق لعصره في هذا المجال، كما أن إنسانيته تفوقت على من كان في زمانه من الحكام، ليس هذا فحسب، فقد اعتمد عليه السلام طرائق اقتصادية وسياسية قدّمت الكثير للمسلمين ولغيرهم.

ويكفي أن نذكر خاصية العدل التي ساوى من خلالها كمنهج عمل بين جميع الناس، ليس في مجال الكفاءة، وإنما في مجال المساواة الإنسانية، فليس هنالك فرق بين غني وفقير ولا بين قوي وضعيف ولا بين شخصين تبعا للديانة أو العرق الذي ينتميان له، الكل سواسية في حماية الحكومة لهم، ولا أحد له أفضلية على آخر من حيث ما تقدمه حكومة الإمام علي لمواطنيها، حيث كانت الفرص متاحة للجميع ولا فرق في ذلك بين الناس.

وليس هناك من يضاهي الإمام علي في علميته باستثناء أستاذه ومعلمه الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله، وهذا ما عُرف عنه وأُقِّرَ له، فقد كان الأعلم بعد ابن عمه رسول الله الذي قال في حقه: (أنا مدينة العلم وعليٌ بابها)، وهذا يعني أن كل من يريد أو يخطط للتوغل في مدينة العلم ليس أمامه إلا الدخول عبر بابها.

أسباب الخلود الإنساني

وقد لا نختلف على قضية خلود الإنسان وأسباب هذا الخلود الذي له أسباب قد لا نعرف جميعها، ولكن الفكر الإيجابي الإنساني النموذجي هو أحد الأبواب التي تمكنه من الدخول إلى عالم الخلود، فالأفكار الحيّة الخلاقة التي تنطلق من العقول التنويرية الكبرى، قدمت للبشرية جميع السبل التي تجعل من الفكر خادمًا للإنسان ومطوِّرا لقدراته العقلية والفكرية والتنفيذية وهذه الميزة العظمى شكلت الركن الأهم من مزايا الإمام علي عليه السلام.

ولهذا نحن لا نجافي الحقيقة إذا وصفنا شخصية الإمام أمير المؤمنين بأنها اشتملت على صفات لم تجتمع في شخص غيره، وهذا ما ثبت عبر الأسانيد والشواهد وما كتبته أقلام المؤرخين عن أصالة هذه الشخصية العبقرية الفذة، وما قدمته للبشرية جمعاء من أفكار إيجابية في جميع المجالات التي ينشط فيها الناس ويتبارون فيها مع بعضهم وصولا إلى الهدف المنشود المتمثل بالكمال الفكري والعملي للإنسان.

وهو قول أو رأي ليس بغريب، ولا بكثير على شخصية استثنائية كشخص الإمام علي عليه السلام، الذي أعطى الأحقية للرأي الآخر وحماه وشدد على حماية الرأي، وطالب من ولاته ووجّههم إلى التعامل اللين مع الشعب (ولا تكن عليهم سبُعًا ضاريًا/ كتاب العهد إلى مالك الأشتر)، كذلك ركز على زوال الفوارق بين بني البشر تبعا لطبيعة الانتماءات المختلفة.

فالإنسان عند الإمام علي لا يمكن تفضيله على الآخرين تبعا لانتمائه الديني أو العرقي أو الجغرافي أو الطبقي، لا أحد أفضل من أحد إلا بمعيار (التقوى) وهو معيار إلهي ورد في النص القرآني المبارك، حيث لا يزكي الأنفس إلا الله تعالى:

أفكار من الطراز الحيّ

ويوجد لدينا ثوابت قاطعة تؤيد وتؤكّد علمية الإمام علي عليه السلام، وهي تتمثل في تلك المقدرة العلمية التي تشتمل على أفكار من الطراز الحيّ الذي يبقى بين الناس بشكل مستدام، ينظّم حياتهم عبر أفكارهم المستلهَمة العلمية الفكرية الحيّة للإمام علي عليه السلام، وهذا ما تدل عليه الخُطَب المتفرّدة للإمام، من حيث المحتوى الفكري الإنساني، والمضمون الذي يذهب بالإنسان نحو الإيجابية العلمية العملية التي تنهض بها نحو عالم متكامل.

ولو أننا جئنا إلى كتاب (نهج البلاغة) الذي يمثل أثرى وأعظم ما خلّفه الإمام علي عليه السلام للمسلمين وللبشرية كلها، فإننا سوف نجده يضم بين دفّته أفكارا كبرى، لم يكن للإنسان أن يصل إليها لولا أن أطلقتها الخبرة والتجربة والعقلية الفكرية لأمير المؤمنين، وقد جاءت هذه المنظومة الفكرية لكي تفتح العقول على مضامير إنسانية اجتماعية سياسية اقتصادية ترسم للإنسان كيفية القدرة على تشكيل شخصية علمية عملية متفرّدة، وأمة ناهضة.

ولعل هذا وسواه من مزايا يعود إلى تلك الثروة الكبيرة في الزهد التي تعود ملكيتها للإمام علي عليه السلام، والتي صنعتها العقلية الفكرية الإيجابية للإمام، فعلى الرغم من كل الامتيازات والمغريات التي وضعت نفسها بين يدي أمير المؤمنين وتذلّلت له كثيرا، لكن ثروة الزهد وقوّتها شكلت حاجزا عظيما بينه وبينها؟

لذا رفض المغريات، واستهان بمزايا السلطة، وأبعد نفسه عن خديعة الدنيا، وصان شخصيته العظيمة من أساليب الاستدراج التي مارستها الملذّات أمامه لكنها لم تجتذبه، بل ضمَّن أفكاره الحية وعلمه ومؤلّفاته تلك المعاني الخالدة التي تحمي البشر من الانزلاق للسلطة أو المال أو النفوذ أو الأنانية أو النرجسية التي تقتل إبداع الإنسان وتشل أفكاره المتميزة.

نخلصُ بالنتيجة إلى أن ذكرى ولادة الإمام علي عليه السلام، يجب أن تعيدنا إلى الفكر الذي طرحه عليه السلام، وتجعلنا ننهل منه فردا فردا، لكي نعود إلى منطقة التنافس الإيجابي بيننا وبين الأمم الأخرى، فليس معقولا ولا مقبولا أن تبقى الأمة التي تنتمي إلى هذه الشخصية الخالدة في علميَّتها وأفكارها، خارج دائرة أو منطقة التنافس الإيجابي بين الأمم.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى