اراء

نحن وجنون الفرعون ترامب

بقلم : منهل عبد الأمير المرشدي..

في زمنٍ انقلبت فيه القيم رأسا على عقب وتقدم فيه منطق القوة على قوة المنطق فارتفع فيه قانون الغابة فوق مواثيق الإنسان خرج علينا فرعون العصر المجنون دولاند ترامب من البيت الأبيض يلوّح بعصا البطش والعبودية والحرمنة ويعيد كتابة الجغرافيا الجيوسياسية في العالم بلغة الخطف . لم تكن عملية اعتقال رئيس فنزويلا المنتخب نيكولاس مادورو وزوجته مجرّد حادث أمني عابر ولا مغامرة استخبارية معزولة بل كانت رسالة مدوّية كالرعد مُفادها أن السيادة في قاموس واشنطن ورق قابل للحرق والتلف وأن الرؤساء عندها أسرى محتملون ومتّهمون مطاردون وفق القانون الأمريكي إذا تعارضت قراراتهم مع شهوة الإمبراطور . في وضح الوقاحة السياسية امتدت يد قوات النخبة الأمريكية لتختطف رئيس دولة منتخب ديمقراطيا من عقر داره في مشهد يعيد إلى الأذهان زمن القياصرة الجدد حيث كانت القوة تصنع الشرعية والظلم يسمّى نظاما عالميا. هذه العملية لم تفضح أمريكا وحدها بل عرّت أوهام الحلفاء قبل الخصوم ووضعت أصدقاء أمريكا وحتى عملاءها وأذنابها في الزاوية الحرجة والصدمة الدامغة، إن هذه حقيقة أمريكا بكل هذه الخسة والقباحة والصلافة والوحشية والانحطاط . تأريخ يعيد نفسه بسخرية سوداء ويثبت أن الاتكاء على القوى الكبرى كالاتكاء على الظل عند الغروب يطول لحظة ثم يختفي عند الحاجة . ها هو الحليف الروسي يتوارى خلف الصمت فدفاعاته الجوية لم تعمل وطائراته الحربية لم تقلع ورادارات الرصد تاهت وتحيّرت تماما كما توارت من قبل عندما تُرك حليفهم المقبور وحيدًا يواجه عاصفة  بوش في تسعينيات القرن الماضي . الدرس الأبلغ مما حصل للرئيس الفنزويلي أن الخطر لا يأتي دائما من خلف الحدود بل من داخل الأسوار حين تشترى ذمة حارس مؤتمن وحماية مخوّل فما حصل لم يحصل لولا خيانة من داخل القصر الرئاسي لمادورو فمن يستخف بولاء رجاله سيفيق يوما على خيانتهم . أما العالم والمنظومة الدولية قاطبة فلم نجد سوى ردود فعلٍ باهتة وبياناتٍ باردة باستثناء صوت خافت لكنه شجاع من البرازيل وكوبا حيث لا تزال الذاكرة الاستعمارية حيّة والكرامة كلمة مفهومة . أما الأمم المتحدة فكعادتها لم تُخرج من جعبة أمينها العام إلا القلق العميق . ولم نسمع من الصين وروسيا سوى إدانات خجولة كهمس في جنازة ودعوة لعقد جلسة طارئة لمجلس الأمن سيوأد قرارها بالفيتو الأمريكي أما المنظومة العربية والإسلامية بإستثناء الجمهورية الإسلامية التي أدانت واستنكرت الجريمة ووافت أمريكا بالوصف الذي تستحقه فإن الدول الإسلامية خارج التغطية لا يسمعون ولا يرون وكأن الحدث يجري في كوكب آخر غير مدركين أن السكين التي ذُبحت بها فنزويلا قد تُشحذ غدا لغيرها . مصير فنزويلا اليوم مرهون بوحدة شعبها وبتماسك قيادتها المتبقية وبموقف قواتها المسلحة إما أن تكون درعا للوطن أو أن تتحول إلى بوابة سقوطه . وأخيرا وليس آخرا نقولها بلا مواربة إنْ مرّ اختطاف مادورو بلا حساب فإن دونالد ترامب فرعون العصر سيمضي في طغيانه غير عابئٍ بأحد وسيمتد شرّه من كاراكاس التي غزاها لأجل الاستيلاء على مخزون النفط والذهب إلى ما هو أبعد وفي المقدّمة أولئك الذين ظنّوا أن المال يحميهم وأن الصمت نجاة لهم وأن الولاء الأعمى حصانة . فالتأريخ لا يرحم الغافلين والطغاة لا يكتفون بحد ومن لم يعتبر اليوم سيدفع الثمن غدا أضعافا مضاعفة . بقي أن نقول أين العراق والخارجية العراقية وماذا نقول لشعبنا ونحن نفتخر بصداقة متميزة مع مجرم العصر ترامب وقاتل قادة النصر !!! ولكل ذي عقل وبصيرة فإن الحل الأمثل لمواجهة الطغاة يتجلى في قوله تعالى : (وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ  وَمَا تُنفِقُوا مِن شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنتُمْ لَا تُظْلَمُونَ ) .

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى