اخر الأخباراوراق المراقب

المرأة بين الاسلام والفلسفة

صبا هاشم..

احتلت قضيّة المرأة، مكانة واسعة، فهي من أبرز القضايا التي شغلت الفكر الإنساني والديني على مرّ العصور، لما تمثّله من محورٍ أساسي في بناء الأسرة والمجتمع، ولارتباطها الوثيق بمفاهيم العدالة والكرامة الإنسانية. وقد اختلفت الرؤى والمناهج في تناول مكانة المرأة بين التيارات الفكرية والفلسفية والدينية، فبينما سعت بعض الاتجاهات إلى المساواة المطلقة بين الجنسين، تمسّكت أخرى بتفريقٍ يكرّس التبعية والضعف.

كانت المرأة سابقاً في مواقف مضطهدة ولا سيما في العصور الجاهلية، إذ يظل الرجل وجهه مسوّداً إذا بُشّر بالأنثى، وهذا ما ذكره الله تعالى في سورة النحل: (وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُم بالأنثى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ يَتَوَارَىٰ مِنَ الْقَوْمِ مِن سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَىٰ هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ أَلَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ).

أي أن الرجل إذا أخبره أحدهم بولادة بنت ظل وجهه متغيراً بسبب الغمّ والحزن الذي يصيبه من الخبر، مما يعني ان الجاهليات القديمة من العرب واليونان قد استحقرت مكانة المرأة وظلمت المرأة ظلماً مبيناً واستقبلتها بتهجّم وانكرت حقوقها بلا أهميةٍ أو اكتراث، لذلك من أبرز الحقوق التي اعطاها الاسلام للمرأة، هو حق الحياة استناداً إلى قوله تعالى: (وَإِذَا المَوءُۥدَةُ سُئِلَت بِأَيِّ ذَنب قُتِلَت).

كان الفلاسفة من اليونان من أبرز الفئات التي ظلمت حق المرأة وأهدرت كرامتها، فهي بحسب تصورهم كالشجرة المسمومة التي يكون ظاهرها جميلاً ولكن تموت العصافير في حال الأكل منها، فكانت كالحاجة التي يمكن أن تُباع وتُشترى في الأسواق.

ولم تحصل المرأة على مكانتها إلا بعد إن جاء القرآن ليُعيد للمرأة كرامتها التي سُلبت منها في الجاهلية، ويؤسس لمكانتها الإنسانية والاجتماعية على أساس المساواة في الكرامة والمسؤولية، لذا فقد اعطاها العديد من الحقوق ليرفع من كرامتها بعد إن سُلبت منها في العصور السابقة ومن هذه الحقوق:

1المساواة في الإنسانية والتكليف: أكد القرآن، أن المرأة والرجل مخلوقان من نفس واحدة، قال تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ).

وهذا يثبت أن المرأة ليست كائنًا أدنى، بل تشترك مع الرجل في أصل الخلق والتكريم الإلهي والتكليف الشرعي، ففي هذه الآية يريد دعوتهم الى تقوى ربهم في أمر أنفسهم وهم ناس متحدون في الحقيقة الإنسانية من غير اختلاف فيها بين الرجل والمرأة والصغير والكبير والعاجز والقوي، حتى لا يجحف الرجل منهم بالمرأة ولا يظلم كبيرهم صغيرهم في مجتمعهم الذي هداهم الله اليه لتتم سعادتهم، والأحكام والقوانين المعمولة بينهم التي ألهمهم إياها لتسهيل طريق حياتهم وحفظ وجودهم وبقائهم فرادى ومجتمعين، وفي هذه الآية الكريمة تعميم للناس جميعاً وليس الذين آمنوا فقط وهو من أوصاف الربوبية التي تتكفل أمر التدبير والتكميل، وظاهر السياق أن المراد بالنفس الواحدة هو آدم “عليه السلام” ومن زوجها زوجته، وهما أبوا هذا النسل الموجود والذي نحن منه وإليه ننتهي جميعاً.

2الكرامة: جعل الله الجزاء في الآخرة مبنيًا على العمل لا على الجنس، فقال تعالى: (مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً).

فالمقياس هو الإيمان والعمل الصالح، مما يدل على المساواة الروحية والمعنوية بين الجنسين، أي أن من عمل صالحاً وهو مؤمن في فاقة وميسرة فحياته طيبة ومن أعرض عن ذكر الله ولم يؤمن بربه ولا عمل صالحاً فمعيشته ضنك لا حياة فيها ولا خير.

3الحقوق الاجتماعية والأسرية: منح القرآن المرأة مكانة راقية في الأسرة والمجتمع، فجعل لها حقوقًا مالية ومدنية، وأقرّ ذمتها المستقلة في الملك والتصرف.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى