المخاطرة بحاملة الطائرات الأمريكية “فورد” في فنزويلا

بقلم: مازن النجار..
في لعبة الشطرنج وأمثالها من ألعاب الصراع الصفرية -حيث كل خسارة لأحد طرفيها مكسب للطرف الآخر بالضرورة- يُعتبر نوعٌ واحدٌ من النقلات أكثر خطورةً من غيره، إنها النقلة التي تُعرّض للخطر أثمن ما يملكه اللاعب، في لعبة الشطرنج، أثمن ما يملكه اللاعب هو الملك، أما في الجغرافيا السياسية للأساطيل البحرية الأمريكية، فهو سفن الولايات المتحدة الحربية الرئيسة، أي حاملات الطائرات الضخمة.
اليوم، أكبر حاملة طائرات أمريكية وأكثرها تطورًا تُسيّر دورياتها قبالة سواحل فنزويلا، مُستعدةً للتدخل فورًا بأمرٍ من الرئيس. وقد صدر هذا الأمر في 29 تشرين الثاني 2025، عندما كتب ترامب في منشورٍ على منصة “تروث سوشيال”:
“إلى جميع شركات الطيران والطيارين وتجار المخدرات وتجار البشر، يُرجى العلم بإغلاق المجال الجوي فوق فنزويلا وحولها بالكامل”.
ويقول الكاتب والاقتصادي، ديفيد ريفيل، إن حاملة الطائرات “جيرالد فورد“(CVN-78)، ستكون بلا شك هي المسؤولة عن تنفيذ قرار الرئيس بحظر الطيران. وبوجود أكثر من 4500 بحار وطيار على متنها، فإن “فورد” معتادة على الضغط الهائل لهذا النوع من العمليات عالية الكثافة، بعد عودتها مؤخرًا من عمليات في الشرق الأوسط.
مخاطر التكنولوجيا الروسية
عادةً ما تبحر حاملة الطائرات “فورد” برفقة أربع مدمرات من فئة “إيجيس”؛ إلا أنها ستُرافق في هذه المهمة بست مدمرات من الفئة نفسها. وبينما تكفي حاملة الطائرات “فورد” ومجموعة الدعم المعتادة لديها للتعامل مع أية عملية جوية أو بحرية ضد فنزويلا، يُمكن افتراض أن شيئًا آخر قد نبّه القيادة الجنوبية الأمريكية إلى تهديد إضافي، يتجاوز القدرات العسكرية الفنزويلية، هذا التهديد هو التكنولوجيا العسكرية الروسية.
فعلى مدار العام، كان هذا التهديد الروسي تحت قيادة الفريق أول أوليغ ليونتيفيتش ماكاريفيتش، وفق تقرير بموقع “ذا وور زون”. ويُعدّ وجوده جزءًا من تبادل عسكري طويل الأمد بين فنزويلا وروسيا، بدأ قبل التصعيد الأمريكي الحالي ضد فنزويلا بفترة طويلة.
يُوفّر ماكاريفيتش، برفقة نحو 120 خبيرًا عسكريًا روسيًا تحت إمرته، لروسيا قاعدة جاهزة لتزويد فنزويلا بمزيد من الأسلحة والمعدات في حال قيام الجيش الأمريكي بأي عمل عسكري. وهنا، تؤدي روسيا دورًا مشابهًا للدور الأمريكي في حرب أوكرانيا، وهو تزويد حليفها بالأسلحة والخبرات.
ومع دخول حاملة الطائرات الأمريكية “فورد” إلى منطقة الكاريبي، ردّت روسيا وزودت فنزويلا بأنظمة صواريخ مضادة للطائرات (Pantsir-S1, Buk-M2)، بالإضافة إلى عدد من الطائرات المقاتلة المتطورة.
يتسق هذا مع استراتيجية روسية سابقة، وهي تصعيد يضاهي التهديد الأمريكي. وهكذا، تتكشف ملامح المشهد. تُزوّد روسيا فنزويلا بأنظمة دفاع جوي لمواجهة المقاتلات والقاذفات الأمريكية، التي تُطلق ليس فقط من حاملة الطائرات “فورد”، بل أيضًا من البر الأمريكي الرئيسي.
في هذه المرحلة، يكاد يكون مستحيلاً التنبؤ بما سيحدث لاحقًا. سيتوقف الكثير على قرارات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب. في الآونة الأخيرة، وخلال مكالمة هاتفية بين الرئيس ترامب والرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، ورد أن ترامب طالب مادورو بالاستقالة من الرئاسة ومغادرة البلاد، لكن مادورو رفض ذلك.
صواريخ فرط صوتية
يجب على الرئيس الأمريكي أن يفهم بدقة ما قدمته روسيا بالفعل لفنزويلا. فالتقارير المذكورة أعلاه منذ بدء التصعيد الأمريكي تعكس معلومات مستقاة من أقمار التجسس الأمريكية والطائرات التي تحلق فوق هذا البلد الواقع بأمريكا الجنوبية. بالطبع، يمتلك ترامب صورة ومعلومات أشمل وأحدث للصراع مباشرةً من مختلف وكالات التجسس الأمريكية.
لكن، لماذا لا يمكن لترامب اتخاذ أية خطوة خاطئة؟ من المرجح أن البنتاغون قد أصدر توجيهات للرئيس ترامب بالتحرك نحو تقليص أي أسلحة روسية إضافية إلى فنزويلا، لأن هناك سلاحًا واحدًا يُثير قلقًا بالغًا لدى الجيش الأمريكي، ألا وهو العدد المتزايد من الصواريخ فرط الصوتية التي طورتها روسيا. ومن بينها صاروخ “زيركون” البحري، بالإضافة إلى صاروخ “كينجال” الذي تم تطويره قبل سبع سنوات وجرى اختباره في المعارك.
لكن، بحسب ريفيل، فإن الأمر الأكثر إثارة لقلق الأميركيين هو صاروخ “أوريشنيك” الأحدث. أُطلق هذا الصاروخ فرط الصوتي في 21 تشرين الثاني 2024، مستهدفًا مصنع “بيفدِنماش” في دنيبرو، بأوكرانيا. لا شك أن اختيار الروس لهذا الموقع جاء لكونه أحد أكثر الأهداف تحصينًا في أوكرانيا. بُني مصنع “بيفدِنماش” خلال الحقبة السوفياتية، ويمتد لطبقات عدة تحت الأرض، مصممًا ليكون منيعًا بالنسبة إلى السوفيات آنذاك.
وهاجم صاروخ “أوريشنيك” من دون استخدام متفجرات؛ فقد دمرت طاقته “الحركية” الهائلة المصنع تدميرًا كاملاً حتى أساساته. انطلق الصاروخ بسرعة تبلغ عشرة أضعاف سرعة الصوت، مستخدمًا رؤوسًا حربية متعددة مستقلة (MIRV) لتفادي الدفاعات الجوية الأمريكية في أوكرانيا، بما في ذلك منظومة “باتريوت” المضادة للصواريخ، ودمّر هدفه تدميرًا شاملًا.
بعد مرور عام على الهجوم الروسي بصاروخ “أوريشنيك” في أوكرانيا، لا يزال السؤال مطروحًا حول ما إذا كانت الولايات المتحدة تمتلك نظامًا فعالًا لمواجهة هذا الصاروخ. وفي حين أن معظم المعلومات المتعلقة بأنظمة الدفاع الصاروخي الأمريكية “قيد التطوير” سرية للغاية.
في الشطرنج، تُسمى المخاطرة بأثمن قطع الملك مناورة “غامبيت الملك”. وهي خطوة قد تنجح أحيانًا، لكنها محفوفة بالمخاطر العالية، لأنه في حال خسارتها، تنتهي اللعبة. وهذا هو نوع المناورة التي يمارسها الرئيس ترامب حاليًا في منطقة البحر الكاريبي بنشر حاملة الطائرات “فورد” ومجموعة الدعم المرافقة لها.



