أصل الأمراض الأخلاقية

إنّ النّفوس الضّعيفة سرعان ما تستجيب لدعوة الشّرك، فيرى كلّ من يعيش العقد النفسيّة، الاستقلاليّةَ والغنى في نفسه وذاته، ولأجل تثبيت هذه الفكرة، يبدأ بنسبة الكمال الذي يراه في نفسه إلى نفسه، ويعتقد بأنّ التّأثير والفعليّة والسّببيّة نابعة من ذاته.
فإذا اجتمع الشّرك مع حبّ النّفس ورؤيتها مستغنيةً مستقلّةً، تولّدت منه الحالات النفسيّة البغيضة كالكبر والعجب والرّياء وغيرها.
يقول الإمام السيد روح الله الخمينيّ (قدس سره): “يرى الإنسان أعماله الصّغيرة كبيرة، وبذلك يرى نفسه من الصالحين ومن خاصّة الله ويرى نفسه مستحقًّا للثّناء ومستوجبًا للمدح على تلك الأعمال الحقيرة التّافهة، بل ويحدث أحيانًا أن تلوح لنظره قبائح أعماله حسنةً، وإذا ما رأى من غيره أعمالًا أفضل وأعظم من أعماله، فلا يعيرها أهميّة، ويصف أعمال النّاس الصّالحة بالقبح، وأعماله السيّئة القبيحة بالحسنة، يسيء الظّنّ بخلق الله ولكنّه يحسن الظنّ بنفسه، وبسبب حبّه لنفسه يرى بعمله الصّغير الممزوج بآلاف القذارات المبعدة عن الله، أنّ الله مدينٌ له وأنّه يستوجب منه الرّحمة”.
إنّ العقل الذي يدرك حقيقة الكمال، ويتعرّف على علّته وسببه الحقيقيّ، هو نورٌ إلهيّ لا يتعايش مع الهوى وحبّ النّفس. كما قال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام): “كم من عقلٍ أسير تحت هوىً أمير” فمن استولى على قلبه حبّ النّفس، تملّكه الهوى، فينطفئ بسبب ذلك نور العقل فيها. وعندما يفقد الإنسان هذا النّور، يحسب نفسه منشأً للكمالات والخيرات، وإن كانت محدودة أو موهومة.
يقول الإمام السيد روح الله الموسوي الخمينيّ (قدس سره): “وأمّا نحن المساكين فمن الجهل والحجب المتنوّعة التي أمسكت برقابنا قمنا نتكبّر ونعجب بأنفسنا ونتظاهر بأعمالنا، فيا سبحان الله! ما أصدق كلام أمير المؤمنين “عليه السلام” حيث يقول: “عجب المرء بنفسه أحد حسّاد عقله أليس من فقدان العقل أنّ الشّيطان يعمّي علينا أمرًا ضروريًّا ولا نقوم بوزنه في ميزان العقل”.
وعن أمير المؤمنين الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام): “رضاك عن نفسك، فساد عقلك”.
وفي الكثير من الأحاديث ـ وأشهرها حديث جنود العقل والجهل ـ استُعمل الجهل مقابل العقل، لا العلم. فقد يكون المرء عالمًا (وهو معنى امتلاك المعلومات الكاشفة عن الوقائع) وهو ليس عاقلًا، فالعاقل هو الذي يستفيد من العلم بالآيات لمعرفة صاحب الآيات والوصول إليه.
أما حبّ النّفس، فإنّه ينشأ من رؤيتها في عين الغنى والاستقلال، سواء في الوجود (بمعنى أنّ وجوده الحاليّ لا ينبع من مصدرٍ آخر) أو كمال الوجود (بمعنى أنّ كمالات نفسه كالقدرة والعلم والحياة تنبع من ذاته). ولأن الإنسان مفطورٌ على حبّ الكمال، فمن ظنّ أنّ نفسه هي الكمال أو المنشأ والسّبب للكمال، أحبّها وعشقها. فيعشق كلّ ما يتعلّق بها وهو جاهل أو غافل عن أنّ حقيقة كلّ خير وأصل كلّ وجود وكمال هو الله تعالى.
ليس العلم بذاته ـ مهما كان شريفًا ـ ضمانةً لعدم وقوع المرء بالعجب المهلك المفسد، وكذلك العبادة، مهما كانت صحيحةً أو كثيرة، فعندما لا يكون العقل حاضرًا، ينصرف وهم الإنسان إلى نسبة هذه الأمور الشّريفة إلى سببها القريب أو علّتها المحسوسة (أي نفسه وصفاته وأفعاله)، فيقع هذا الواهم في حالة من الغرور والعجب بنفسه، لأنّ الإنسان يحبّ مع الكمال أصله وسببه، لا بل حبّه للعلّة والسّبب أعظم من حبّه للأثر والمسبّب.
وهكذا يوجّهنا الإمام الخميني (قدس سره) إلى منشأ جميع المهلكات النفسيّة والرّذائل الأخلاقيّة، ويقول (قدس سره): “نستفيد من الآيات الشّريفة أنّ مبدأ عدم سجود إبليس هو رؤية النّفس والعجب، فطبّل قائلًا: ﴿أَنَاْ خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ﴾ إنّ رؤية إبليس لنفسه صارت سببًا للعجب والكبر، وهذا الكبر صار سببًا للاستقلال مقابل الحقّ، وعصيان الأمر، فصار مطرودًا من مقام القرب”.
وفي معرض الحديث عن أصول المهلكات والآفات يقول الإمام الخميني (قدس سره): “… فكلّما قوي السّلوك، يغلب النّور على الظّلمة وتظهر سمات الرّبوبيّة في السّالك فتصير تسميته حقيقيّة إلى حدٍّ ما، وشيئًا فشيئًا ترتحل العلامات الشيطانيّة بالتّدريج، وهي في الظّاهر مخالفة نظام المدينة الفاضلة، وفي الباطن العجب والاستكبار وأمثالها، وفي باطن الباطن رؤية النفس وحبّها وأمثالها، عن مملكة باطن السّالك وظاهره، وتحلّ مكانها سمات الله، وهي في الظاهر حفظ نظام المدينة الفاضلة، وفي الباطن العبوديّة وذلّة النّفس، وفي باطن الباطن حبّ الله ورؤية الله”.



