قصيدة الشعر الحر من مخاوف الضياع إلى ابتكار إبداعي عراقي

المراقب العراقي/ المحرر الثقافي…
يرى الناقد عبد الواسع السقاف، ان أسباب معارضة التقليديين للشعر الحر يعود الى التمسك بعمود الشعر، واعتبار القيود معيارًا للموهبة والخوف من الفوضى الموسيقية، وكذلك الخوف من التغريب وفقدان الهوية اللغوية، وغيرها من الامور التي تلاشى بعضها وبعضها الآخر ما يزال حاضرا حتى يومنا هذا، على الرغم من مرور أكثر من ثمانين عاما على قصيدة الشعر الحر على يد السياب ومجايليه والتي حولت مخاوف الضياع الى ابتكار إبداعي عراقي.
وقال السقاف في قراءة نقدية خص بها “المراقب العراقي”: ان “أبرز الأسباب التي استندوا إليها في معارضتهم الشعر الحر (أو شعر التفعيلة)، هي أولا التمسك بعمود الشعر حيث رأى الكلاسيكيون، أن للشعر العربي أصولًا ثابتة، تتمثل في الالتزام بالوزن والقافية ونظام الشطرين، وأي خروج عن هذه القواعد كان يُنظر إليه على أنه تهديد للذائقة الأدبية وهوية التراث الموروث”.
وأضاف، ان “السبب الثاني هو خوفهم من فقدان وحدة البيت فقد اعتقد النقاد، أن السطر الشعري في الشعر الحر يفتقر إلى الوحدة الموسيقية التي يوفرها البيت التقليدي، ما يفقد النص تماسكه وهيبته”.
وتابع: ان “اعتبار القيود معيارًا للموهبة هو السبب الثالث، فقد جادل نقاد وكُتاب مثل عباس محمود العقاد بأنّ الشاعر الحقيقي يُعرف بقدرته على الإبداع ضمن حدود الوزن والقافية، معتبرين أن التحرر من هذه القيود قد يكون مطية للعجز أو طريقة لظهور شعراء محدودي المهارة. وهذا يعني بأن الشعر الحر سيتيح لأي شخص اقتحام الساحة الشعرية، بينما كانت القيود العروضية في الشعر التقليدي تعمل كمصفاة لتمييز الموهوبين الحقيقيين”.
ولفت الى ان “الخوف من الفوضى الموسيقية هو السبب الرابع، فقد اعتبر التقليديون، أن توزيع التفعيلات دون نظام ثابت قد يفقد النص جرسه الموسيقي المعتاد، ويجعله قريبًا من (النثر المسجوع) فيما كان تهميش القافية سببا خامسا وبالنسبة لهم، القافية ليست مجرد زينة، بل هي أداة تنظيمية للنفس الموسيقي؛ وغيابها في الشعر الحر جعل النص أقرب إلى النثر”.
وأوضح، ان “الخوف من التغريب وفقدان الهوية اللغوية يعد سببا سابعا ومهما، حيث رأى كثير من النقاد في الشعر الحر تأثرًا بالآداب الغربية، وحذروا من أن التخلي عن الأوزان التقليدية قد يضعف فصاحة اللغة العربية ويهدد ثقلها الأدبي والثقافي، وبرغم كل هذه المعارضة، فقد استمرت حركة الشعر الحر وتطورت بفضل رواد مثل علي أحمد باكثير ونازك الملائكة وبدر شاكر السياب وصلاح عبد الصبور، لتصبح لاحقًا النمط الأكثر شيوعًا في الشعر العربي الحديث”.
وأستدرك، “ولكن، مع مرور الوقت، ظهرت بعض الظواهر التي كان التقليديون يخشونها أو تنبأوا بحدوثها، ومنها انتشار شعراء بلا موهبة حقيقية يدّعون الإبداع، وساهمت برامج التواصل الاجتماعي في إظهار كثير منهم وظهور قصيدة النثر المسجوع، التي تقترب كثيرًا من النثر وبشكل واسع وتأثير الأنماط الغربية بشكل واضح على الصور والرموز الشعرية، حتى غدت بعض النصوص مجرد رموز وغموض وأحاجٍ”.
وأكمل، ان “هناك أسبابا غير معلنة مثل تراجع دور النشر عن تشجيع الشعر العمودي التقليدي لصالح الشعر الحر وانتشار ما يُسمى بالضرورات الشعرية في القصيدة العمودية، التي كانت في السابق حكراً على كبار الأدباء وفي حدود ضيقة جدًا وفقدان بعض الشعراء للثقل الاجتماعي والثقافي الذي كان يصاحب الإبداع التقليدي، وأصبح البعض هدفًا للسخرية أحيانًا”.



