اراء

الحيوية السياسية في الساحل السوري ونموذج التغيير السلمي الوطني

بقلم: الدكتور حسن مرهج..

في قلب الساحل السوري، حيث تتدفق الاعتصامات السلمية كروافد نهر حيوية، يبرز دليل قاطع على نبض سياسي حي يرفض الذبول تحت وطأة الاستبداد أو الفوضى. هذه الاعتصامات ليست مجرد احتجاجات عفوية، بل هي تعبير مدروس عن رغبة جماعية في التغيير الإيجابي، محصور ضمن إطار وطني يجمع السوريين تحت راية الوحدة لا التجزئة. تخيل لوحة فنية حيث يرسم المتظاهرون خطوطاً سلمية تتحدى الظلم والظلام، فهي تكشف عن وعي سياسي ناضج يعتمد على الحوار لا العنف، مما يعزز مصداقية الحركة كبديل حضاري عن الثورات الدامية السابقة. هذا النهج يعكس تحولاً استراتيجياً من الغضب العابر إلى بناء مؤسسي يحمي الهوية السورية المشتركة، محولاً الساحل إلى نموذج يلهم المناطق الأخرى بإمكانية التغيير دون تدمير.

الاعتصامات السلمية في الساحل السوري، هي معادلة سياسية تضغط بلا رحمة على حكومة الجولاني الناشئة، مُحوِّلة الفراغ السياسي إلى ميدان اختبار حقيقي لقدرتها على الاستجابة. هنا، لا تكون الاعتصامات مجرد صرخات، بل أداة ضغط محسوبة تعيد ترتيب أوراق اللعبة، حيث تفرض على النظام الجديد اختباراً لشرعيته من خلال الاستجابة لمطالب شعبية مشروعة، مما يجبره على الاختيار بين القمع الذي يعيد إحياء شبح الاستبداد أو الحوار الذي يبني استقراراً حقيقياً. هذه المعادلة تشبه لعبة الشطرنج حيث يحاصر اللاعب الخصم بتحركات غير مباشرة؛ فالاعتصامات تكشف هشاشة السلطة إذا اعتمدت على القوة في التعامل معها، وتعزز قوتها إذا استجابت بحكمة. في هذا السياق، تتحول هذه الحركات إلى رافعة سياسية تحول دون تحول الجولاني إلى نسخة جديدة من الأسد، محافظة على ديناميكية التغيير كعامل توازن.

ما تتعرض له الطائفة العلوية في سوريا اليوم يندى له الجبين، فهو ليس مجرد انتهاكات فردية بل حملة ممنهجة تهدد نسيج المجتمع، مما يجعل حمايتها وحماية كل السوريين المتضررين واجباً أخلاقياً وسياسياً يتجاوز الطوائف إلى الإنسانية المشتركة. تخيل جرحاً ينزف في جسد الأمة؛ إذا لم يُعالج، يمتد إلى الأعضاء الأخرى، فالظلم الذي يطال العلويين سواء بمصادرة ممتلكات أو تهجير قسري أو اعتداءات رمزية ليس انتقاماً تأريخياً بل خطراً يهدد الاستقرار الوطني بأكمله. هذا الواقع يدعو إلى حماية شاملة تعيد بناء الثقة، حيث يصبح الدفاع عن المظلومين العلويين مدخلاً لعدالة انتقالية تحمي الجميع، محولاً الندم الجماعي إلى قوة موحدة تحول دون دوامة الثأر الطائفي.

مطالب الفيدرالية التي يرفعها أبناء الساحل السوري ليست طموحاً انفصالياً بل حقاً سياسياً مشروعاً يعكس التنوع السوري وتدعمها الاعتصامات السلمية بمسار سياسي واضح نحو التغيير المنشود، محولة النزاعات المركزية إلى نموذج لامركزية متوازنة. هذه المطالب تشبه جذور شجرة قوية تمتد في التربة السورية المتنوعة؛ فهي لا تسعى للتقسيم بل لتوزيع السلطة يضمن تمثيلاً عادلاً، خاصة في مناطق مثل الساحل حيث تكشف الاعتصامات عن رفض الاستبداد المركزي. من خلال هذا المسار السلمي، تتحول الفيدرالية إلى آلية للاستقرار، حيث يصبح الاعتراف بالتنوع قوة لا ضعفاً، ممهدة لنظام حكم يجمع بين الوحدة الوطنية والحريات المحلية، ويردع أي محاولة لاستعادة الهيمنة المركزية.

في خضم هذه الديناميكيات السياسية المتشابكة، تبرز الاعتصامات السلمية في الساحل السوري كنموذج حيوي للتغيير الوطني، حيث تتحول روافد الاحتجاج إلى قنوات حوار تضغط بذكاء على حكومة الجولاني، محولة الفراغ إلى اختبار شرعية يمنع عودة الاستبداد. يندى الجبين لما يتعرض له العلويون من ظلم ممنهج، مما يفرض واجباً أخلاقياً لحماية شاملة تعيد بناء الثقة وتمنع الثأر الطائفي، بينما تكرس مطالب الفيدرالية حقاً مشروعاً للامركزية المتوازنة، تجعل التنوع قوة وحدة لا ضعف تجزئة، في هذه اللحظة ثمة تحول استراتيجي يمهد لسوريا جديدة، وطن يجمع بين الحيوية السلمية والعدالة الانتقالية، رافضاً دوامة العنف لصالح بناء مستدام يحمي الكل تحت راية الإنسانية المشتركة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى