الاستغفار في شهر رجب

يحتلّ الاستغفار منزلةً محورية في البناء الروحي للإنسان المؤمن؛ فهو ليس مجرّد لفظٍ يُردَّد، بل موقف وجودي يعترف فيه العبد بضعفه، ويستعيد من خلاله صلته بالله تعالى على أساس الصدق والافتقار. وإذا كان للاستغفار هذا المقام في جميع الأزمنة، فإنّ له في شهر رجب خصوصيةً مضاعفة؛ إذ يُعدّ هذا الشهر من مواسم الرحمة الإلهية، ومحطّة أولى في مسار السير إلى الله، وتمهيدًا روحيًا لما يليه من شهري شعبان ورمضان.
ويُعدّ الاستغفار من أجلّ العبادات القلبية واللسانية، وهو في شهر رجب آكدُ أثرًا وأعظمُ بركةً، لما امتاز به هذا الشهر من سعة الرحمة وفتح أبواب التوبة والإنابة. وقد وردت في فضله نصوص شريفة تُبرز مكانة الاستغفار فيه، وتكشف عن آثاره العميقة في تطهير النفس، وتهذيب القلب، ونيل الرضا الإلهي، بما يجعل منه ممارسة واعية تُعيد ترتيب الداخل، لا مجرّد طلب للمغفرة اللفظية.
ورد في الحديث الشريف: “من استغفر الله في رجب سبعين مرّة بالغداة وسبعين مرّة بالعشيّ يقول: أستغفر الله وأتوب إليه، فإذا بلغ تمام سبعين مرّة رفع يديه وقال: اللهم اغفر لي وتب عليّ، فإن مات في رجب مات مرضيًا عنه، ولا تمسّه النار ببركة رجب”.
هذا النص يكشف عن منهج تربوي متكامل؛ فاختيار الغداة والعشيّ يربط الاستغفار ببداية اليوم ونهايته، وكأنّ المؤمن يبدأ نهاره بالتوبة وينهيه بها، ليبقى في دائرة المراقبة والمحاسبة. وهذا يعلّم الإنسان أن الاستغفار ليس طارئًا بعد الذنب فقط، بل هو حالة دائمة من الوعي الروحي.
كما أنّ العدد المذكور «سبعين مرّة» ليس غاية حسابية، بل هو رمز للإكثار والمداومة، حتى يتجاوز الذكر مرحلة العادة إلى مرحلة الحضور القلبي. وعند اكتمال الذكر، يأتي رفع اليدين بالدعاء: «اللهم اغفر لي وتب عليّ»، ليعبّر عن انتقال الاستغفار من صيغة فردية إلى مناجاة صريحة، ومن ذكر اللسان إلى طلب القلب.
وأمّا الثمرة، فهي من أعظم ما يرجوه المؤمن: الموت مرضيًا عنه، وهو تعبير عن القبول الإلهي، وحسن العاقبة، والطمأنينة عند الرحيل من الدنيا. ثم تأتي البشارة الثانية: «ولا تمسّه النار ببركة رجب»، لتؤكّد أن هذا الشهر ليس زمانًا عاديًا، بل وعاء رحمة تتنزّل فيه آثار المغفرة على نحو خاص.



