أسباب إثارة الفتن

القاضي/ سالم روضان الموسوي..
أثناء قراءة كتاب العلامة الشيخ أسد حيدر (رحمه الله) الموسوم (الإمام جعفر الصادق والمذاهب الأربعة)، أثار الانتباه الى الأخبار التي تضمنها، حيث ان الكتاب فيه استعراض تأريخي لمواقف العلماء والحكام والسلاطين والقضاة، ولاحظت بانه ينقل الوقائع من مصادر موثوقة ومحل اعتبار لدى الجميع.
وتشير هذه الوقائع الى ان القضاء في التأريخ الإسلامي كان سبباً في حصول الفتن بين المسلمين، وهو أمر استغربته في أول وهلة لأني وسواي نظن بان القضاء ملاذ المظلوم في الانصاف من جور الآخر من نظرائه من البشر أو من الطغاة والظالمين، وأضفينا عليه وصف القداسة، لان الله عز وجل جعل وظيفة القضاء من وظائف الأنبياء بقوله تعالى (يا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُم بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَىٰ فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ ۚ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ).
ويشير المرحوم العلامة أسد حيدر، الى احدى تلك الوقائع حيث يقول، (بان القضاء كان لمذهب معين لإيثار الخلفاء لهم بذلك، ولما أراد الخليفة العباسي “القادر باللّه” نقله إلى مذهب آخر، عين القاضي “….” بدلا من قاضي بغداد “… “بإشارة أبي حامد الاسفراييني، وكتب أبو حامد بذلك إلى السلطان محمود، وأهل خراسان: أن الخليفة نقل القضاء عن “…” إلى “…” فاشتهر ذلك وصار أهل بغداد حزبين ثارت بينهما الفتن) نقلا عن (الإمام الصادق والمذاهب الأربعة).
ويضيف الشيخ أسد في كتابه المذكور آنفاً، الى أهمية القضاء لدى المذاهب الإسلامية فيقول (يظهر لنا من هذه القصة عظيم اهتمام المذاهب، يعود الأمر لمنزلة القضاة إذ هم همزة الوصل بين البلاط وأهل ذلك المذهب، وتكون لهم تلك الحظوة ونيل الكرامة والعناية والحرمة) ويعلل الأمر بان هذا كان سبباً في حمل بعض أنصار هذه المذاهب على إثارة تلك الفتنة والسعي لان يكون الاختصاص بهذه المنزلة دونهم.
كما يصل الى استنتاج صاغه بالجملة الآتية (بان القضاة في أغلب الأوقات يثيرون الفتن ويوقدون نار الحرب بين الطوائف. فأحمد بن صاعد رئيس نيسابور وقاضيها وكان يلقب بشيخ الإسلام قد بالغ في تعصبه على بقية المذاهب فأغرى بعضهم ببعض حتى لعنت الخطباء أكثر الطوائف على المنابر)، ويضيف الشيخ أسد عن السبب في هذا الحال، (إن أسباب تلك الفتن التي حلت بالمسلمين كلها تعود لمسايرة بعض العلماء للدولة، ويؤيد وجهة نظرها، فأغدقت عليه العطاء وذلك أصبح العلم مسايرا للدولة) لان قوة الدافع السياسي هو الذي يحاول ألا تتفق الأمة على رأي واحد فهو يعمل على إحياء العصبية (إذ لا حياة للنظام الملكي إلا بها).
وهذه الوقائع التأريخية تؤكد لنا بان أية مؤسسة مهما كان وصفها تجاه قول الحق والإنصاف، فإنها قد تكون سبباً في الفرقة والفتنة وضياع المال العام، لان هذا التعصب الذي طال مؤسسة القضاء في القرن الخامس الهجري وما قبله وما بعده كان سبباً في ضياع الدولة وضعفها.
ومن أهم النتائج التي أشار اليها الشيخ أسد تمثل بإبعاد الكفاءات من المسلمين عن مراكز القرار أو مواقع العمل في الدولة، وكان ابن خلدون قد أشار الى ذلك بقوله: (اشترط في الحاكم قلة الإفراط في الذكاء، وتقرر من هذا أن الكيس والذكاء عيب في صاحب السياسة، لأنه إفراط في الفكر كما أن البلادة إفراط في الجمود والطرفان مذمومان من كل صفة إنسانية) نقلا عن كتاب (مقدمة ابن خلدون).
ويبدو ان هذا السياق السلوكي يشمل أغلب المجتمعات ولا يقتصر على المجتمع الإسلامي والعربي، وانه لم يتوقف بل مازال ممتداً لغاية الآن، ويشير عالم النفس الفرنسي غوستاف لوبون المتوفى عام 1932 في كتابه الموسوم (سيكولوجية الجماهير) منشورات دار الروايات العالمية الطبعة الأولى عام 2021، حيث يقول: (يمكن للقادة المحركين ان يكونوا أحيانا أذكياء ومثقفين، لكن ذلك يضرهم عموماً أكثر مما ينفعهم، لان هؤلاء القادة في المجالس النيابية على مر العصور، وخصوصا الذين برزوا أثناء الثورة الفرنسية كانوا محدودي العقل جداً ومع ذلك مارسوا تأثيراً كبيراً).



