عندما يكون الصمت ناطقاً

محمد علي جواد تقي..
“…وعليكم بالصمت إلا فيما ينفعكم الله به من أمر آخرتكم ويأجركم عليه”.
الإمام الصادق، عليه السلام، من رسالته الى شيعته.
المتكلّم المتفوّه في هذا الزمن يُعد قادراً على التعبير عن ذاته وأفكاره أكثر من غيره، وأحياناً؛ أكثر تأثيراً على الآخرين، لاسيما في عالم الإنترنت، ومن على منصات التواصل الاجتماعي، فمن يريد أن يكون معروفاً –لدوافع مختلفة- بين الناس، عليه تعزيز قدرته على الحديث المشفوع بموضوع مثير، وأسلوب مشوّق وجاذب، ولغة يفهمها الجميع، فهو مؤثرٌ بمستوى قدرته الكلامية بالصوت والصورة، أما “الصموت”، فهو في نظر البعض بالوسط الاجتماعي معرضاً لتحديات وموجات ضغط مختلفة من جهات عدة، فضلاً عن عجزه عن التأثير على الآخرين، بل يكون هو معرضاً للتأثّر.
بين الكلام والصمت عنه بحوث طويلة بين علماء الأخلاق ممن عدّوا الصمت من الصفات الاخلاقية الحسنة، مقابل الهذر بالكلام، بيد أنهم في الوقت نفسه يؤكدون دور الكلام في قول الحق في الوقت المناسب، والدعوة الى الفضيلة والقيم الدينية والأخلاقية بأشكال وطرق مختلفة، الى جانب الفريضة الشرعية المدرجة ضمن فروع الدين؛ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
الخروج من شرنقة الذات أولاً
صحيح أن الكلام يعبر عن شخصية الانسان وعن حاجاته، وهي غريزة مودعة في نفس الانسان منذ الصغر، بيد أن الصحيح أيضاً؛ أنها تكون في الطريق الصحيح عندما يكون في مرتبة سامية مرتبطة برضوان الله –تعالى- فالمنفعة التي طالما يبحث عنها الانسان في حياته، تكون منفعة حقيقية ودائمة عندما تأتي من الله؛ “ينفعكم الله به”، وفي الثقافة الدينية؛ تنصرف منفعة الانسان من ربه –تعالى- الى عالم الآخرة، الى جانب عالم الدنيا، فقد “أمر الامام الصادق، عليه السلام، شيعته أن يلزموا الصمت، فلا يتكلموا إلا بما يعود بالنفع لآخرتهم، أي أن ينظروا الى مصالحهم الدنيوية ضمن إطار الآخرة”.
كيف نضبط الصمت؟
1- توخِّي الدقّة في الطرح والرصانة في التعبير، لاسيما في مسائل محورية مثل؛ العقيدة، والتأريخ، والأخلاق، لما لها من دور في رسم خارطة طريق للآخرين، فأيّ تسرّع يؤدي الى خطأ في المسار ربما يتسبب في تشويش الذهن وضياع فكري وثقافي للمخاطب، عندها تكون مسؤولية الخطأ والانحراف مضاعفة، وكلما توسعت مساحة الخطاب، كان الوزر أثقل وأكبر، فهو سيحمل وزر كلامه، ووزر آلاف وربما ملايين الناس المستمعين له والمتبنين أفكاره، والعاملين بها في قادم الأيام.
2- يوفر ضمانة من الأخطاء والزلات اللسانية، فقد جاء في تحذير لأمير المؤمنين، عليه السلام: “من كثُر كلامه كثُر خطأه، ومن كثر خطأه قلّ حياؤه، ومن قلّ حياؤه قلّ ورعه، ومن قلّ ورعه مات قبله، ومن مات قلبه دخل النار”، بينما يعتقد البعض أن كثرة الكلام مدعاة لاستمرارية الحضور بين الناس، لاسيما على صفحات التواصل الاجتماعي.
3- ضمانة تحقيق المصلحة العامة، وهو ما يبحث عنه الناس من كل متحدث أو صاحب رأي وفكرة يطرحها في وسائل الاعلام، أو التواصل الاجتماعي، وكثرة الكلام واسترساله المستمر ينبئان عن حاجة خاصة كامنة في النفس ربما تعكس ردود فعل إزاء قضية معينة، أو موقف شخصي للمتكلم لا علاقة للناس بها.
إن الصمت بغية التدبر والتفكر في أي قضية أو حدث ما، يوفر رؤية أكثر شمولية و شفافية؛ ليس للمتكلم، بل وعند المستمع أيضاً، فما أكثر الافكار المطروحة على الانترنت، ربما بعضها ينطوي على محاذير من الاستدراج الى متاهات فكرية وعقدية تجر الناس الى جدل عقيم هُم في غنىً عنه وسط مشاكلهم وأزماتهم الحقيقية في حياتهم اليومية، مما يتطلب التأنّي وعدم التفاعل، والردّ بالصمت وتجاهل المنشور المثير والمستفزّ، كما نلاحظ هذه الايام عمن يشكك بوجود الامام الحجة المنتظر، ولماذا يكون غائباً عن الانظار؟ أو لماذا يجب اتباع عالم الدين؟ فإنْ كان ثمة إجابة شافية بها وإلا التجاهل أجدى بالرد، لأن غاية البعض إثارة مشاعر الناس وتسجيل أكبر قدر ممكن من التعليقات، وإن اشتملت على مختلف التعبيرات السيئة والسلبية.
الكلام يساوي العمل
بهذه الأبعاد والتأثيرات البليغة، من الطبيعي أن يكون الكلام صنو العمل، وقرينه، أيّ أن الكلام ليس كلمات يتلفظها اللسان فقط، بقدر ما هي تطبيقات عملية نراها فيما بعد على أرض الواقع بشكل أو بآخر، وهو ما يؤكده لنا أمير المؤمنين، عليه السلام: “احسبوا كلامكم من أعمالكم”، و”كما أن الطاعات والمعاصي تُكتب في صحائف أعمالنا، كذا الأمر في صالح الحديث وسيئه، فهما يكتبان في الصحائف لأنهما من الأعمال”.
ليس هذا فحسب، بل إن النيّة في القلب تُعد منطلقاً للعمل، يقول رسول الله، صلى الله عليه وآله: “إنما الأعمال بالنيات، ولكل امرئ ما نوى، فمن غزا ابتغاء ما عند الله فقد وقع أجره على الله -عز وجل-، ومن غزا يريد عرض الدنيا أو نوى عِقالا، لم يكن له إلا ما نوى”، وثمة أحاديث متظافرة عن قيمة النيّة ودورها في تشكّل حجم العمل، وكيف أنها تطبع العمل سلباً أو إيجاباً، فربما ينوي الانسان في قلبه شيئاً حبّاً له وتفاعلاً معه، ولكن لا يجد الفرصة لتحويله الى تطبيق عملي، عن جابر بن عبدالله الانصاري يروي عن رسول الله، صلى الله عليه وآله: “من أحب عمل قومٍ أُشرك في عملهم”.
من هنا تكون الحاجة مشددة الى درجة عالية من النزاهة والسمو في النفس ليكون كلامنا أقرب الى الاهداف السامية، وأكثر فائدة للمجتمع، وأبعد ما يكون عن الشبهات والزوايا المظلمة التي تلحق بنا وبمحيطنا الاجتماعي أضراراً بالغة.



