فقه المداراة عند الامام الباقر “عليه السلام”

هاشم امير الهاشمي..
إنَّ سيرة الأئمة المعصومين (عليهم السلام) لا تُقرأ كمحطاتٍ تاريخيةٍ عابرة، بل كمدوناتٍ تطبيقيةٍ للقرآن الكريم. وحينما نقف عند السيرة المباركة للإمام الخامس، أبي جعفر محمد بن علي الباقر (عليه السلام)، نجد أنفسنا بإزاء منهجٍ متكاملٍ في “فقه المداراة” واستيعاب الآخر. لقد عاش الإمام (عليه السلام) في حقبةٍ زمنيةٍ ضجت بالتيارات الفكرية المنحرفة والعداء السياسي السافر لأهل البيت، فكان لزاماً أن يواجه هذا الطوفان بسلاحٍ لا يُفل، وهو سلاح “الأخلاق الرسالية” التي تحيل العدو ولياً، وتمتص الضغائن من الصدور.
و مفهوم “المدارة” في المدرسة الباقرية، ليس بصفتها ضعفاً أو تنازلاً، بل بوصفها “استراتيجية هداية” وتطبيقاً عملياً لقوله تعالى: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾. سنعتمد في هذا البحث على استنطاق النصوص الروائية بدقة متناهية، لنرى كيف عالج الإمام (عليه السلام) مواقف العداء الصريح، وكيف ربّى شيعته على ضبط النفس وبذل المال والجاه لحفظ السلم الاجتماعي وصيانة الدين.
أولاً: التأصيل الشرعي للمداراة كعبادة اجتماعية
قبل الولوج في التطبيقات العملية، لا بد من الوقوف على المنظور العقائدي للمداراة عند الإمام الباقر (عليه السلام). ففي الوقت الذي قد يجنح فيه البعض للغلظة توهماً منهم أنها “صلابة في الحق”، يصحح الإمام المسار بربط المداراة بالوحي الإلهي وبالإيمان الصادق.
فقد روى ثقة الإسلام الكليني بسنده عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «إنَّ في التوراة مكتوباً فيما ناجى الله عز وجل به موسى بن عمران (عليه السلام): يا موسى اكتم مكتوم سري في سريرتك، وأظهر في علانيتك المداراة عني لعدوي وعدوك من خلقي، ولا تستسب لي عندهم بإظهار مكتوم سري فتشرك عدوي وعدوك في سبي». .
وفي نصٍ آخر يؤكد القيمة التعبدية لهذا السلوك، فعن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «إنَّ أعرابياً من بني تميم أتى النبي (صلى الله عليه وآله) فقال: أوصني، فكان فيما أوصاه: تحبب إلى الناس يحبوك». .
إنَّ النقل عن التوراة ومناجاة موسى (عليه السلام) يشير إلى أن المداراة “سنةٌ إلهية” في التعامل مع الخلق، وأن كشف الحقائق لمن لا يحتملها، أو استفزاز الخصوم بما يجر إلى سب المقدسات، هو خروجٌ عن الحكمة. فالإمام يؤسس هنا لقاعدة “حفظ المقدسات عبر المداراة”، جاعلاً حسن العشرة درعاً واقياً للدين وللمؤمنين.
ثانياً: استصلاح القلوب وتفكيك العداوة بالإحسان
لعلَّ من أعظم الشواهد على نجاعة “المنهج الباقري” في الدفع بالتي هي أحسن، تلك القدرة الفائقة على تحويل البغض العقائدي إلى ولاءٍ مطلق، لا عبر الجدال الكلامي، بل عبر “الصدمة الأخلاقية” التي يحدثها الإحسان في نفس المسيء.
ينقل لنا الشيخ الكليني روايةً طويلةً ومهمةً عن رجلٍ من أهل الشام، كان يختلف إلى مجلس الإمام الباقر (عليه السلام). يقول الراوي: «وكان يغشى مجلس أبي جعفر (عليه السلام) رجل من أهل الشام… وكان يقول لأبي جعفر (عليه السلام): يا محمد! أ لا ترى أنّي إنّما أغشي مجلسك حبّا منّي لك، و لا أقول إنّ أحدا في الأرض أبغض إليّ منكم أهل البيت، وأعلم أنّ طاعة اللّه و طاعة رسوله و طاعة أمير المؤمنين في بغضكم، و لكن أراك رجلا فصيحا، لك أدب وحسن لفظ، وإنّما اختلافي إليك لحسن أدبك! و كان أبو جعفر (عليه السلام) يقول له: خيرا، و يقول: لن تخفى على اللّه خافية» .
هذا الإقرار الصريح بالعداوة والتقرب إلى الله ببغضهم، قابله الإمام بكلمة واحدة: “خيراً”. لم يطرده ولم يزجره. وتستمر الرواية لتخبرنا أن الشامي مرض واشتد وجعه، فلما كان من الليل وجدوه قد برد، فقال لأهله: “إذا أنت مددت عليّ الثوب في النعش فائت محمد بن عليّ وسله أن يصلّي عليّ واعلمه أنّي أنا الذي أمرتك بذلك”.
فلما ذهبوا للإمام، قال لهم (عليه السلام): «لا تعجلنّ على صاحبك حتى آتيكم».
ثم قام (عليه السلام) وتوضأ وصلى ركعتين ودعا، ثم أتاه وجلس عند رأسه وناداه، فأجابه الرجل. ثم قال الإمام (عليه السلام): «أقعدوه واسندوه وأطعموه سويقا بسكر».
والنتيجة كانت انقلاباً في عقيدة الرجل، فبعد أن عوفي، دخل على الإمام وقال: «أشهد أنّك حجّة اللّه على خلقه، وبابه الذي يؤتى منه، فمن أتى من غيرك خاب وخسر وضلّ ضلالا بعيدا»… فصار بعد ذلك من أصحاب أبي جعفر (عليه السلام) .
إنَّ عبارة “خيراً” التي أطلقها الإمام في البداية، وتصرفه الرحيم عند الموت، كانا أبلغ من ألف خطبة. لقد أثبت الإمام أن “القلب المغلق” بمفتاح الحقد، لا يفتحه إلا مفتاح الرحمة، وأن المداراة ليست مجرد “كف أذى”، بل هي “سعيٌ لإنقاذ الغرقى” في بحر الضلالة.
ثالثاً: امتصاص الإساءة اللفظية ومقابلة السفه بالحلم
من المصاديق الجلية لسمو النفس عند الإمام الباقر (عليه السلام)، ترفعه عن الرد بالمثل في مواطن الاستفزاز الشخصي. فلم يكن يرى في الشتيمة انتقاصاً لقدره، بل فرصةً لممارسة “التربية بالقدوة”.
يذكر ابن شهر آشوب في مناقبه حادثة النصراني، حيث ينقل النص التالي: «قال له نصراني: أنت بقر؟ قال: لا أنا باقر، قال: أنت ابن الطباخة؟ قال: ذاك حرفتها، قال: أنت ابن السوداء الزنجية البذية؟ قال: إن كنت صدقت غفر الله لها، وإن كنت كذبت غفر الله لك. فأسلم النصراني». .
إنَّ التأمل في ألفاظ الرواية يكشف عن تدرجٍ في الإساءة من قبل النصراني (التحريف في الاسم، ثم الطعن في الأم، ثم الشتيمة المقذعة)، قابله ثباتٌ انفعالي مذهل من الإمام. كانت ردوده مقتضبة، واقعية (“ذاك حرفتها”)، ودعائية (“غفر الله…”). هذا الأسلوب يسمى في علم النفس الحديث بـ “الإطفاء”، حيث يُحرم المعتدي من “الوقود” الذي ينتظره (وهو الغضب)، فينطفئ شره وينقلب خجلاً، وهو التطبيق العملي للآية: ﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا﴾.
رابعاً: كف اللسان والترفع عن الخصومة
لم يكتفِ الإمام الباقر (عليه السلام) بممارسة المداراة بنفسه، بل أرادها منهجاً لسلوك أتباعه، محذراً إياهم من الانجرار خلف المهاترات الكلامية التي لا طائل تحتها، والتي تضر بالدين والدنيا.
ففي وصيته لشيعته، يقول (عليه السلام) بعبارة بليغة: «إنما شيعة علي (عليه السلام) المتباذلون في ولايتنا، المتحابون في مودتنا… إنما شيعتنا الخرس».
إن وصف الشيعة بـ “الخرس” هو كناية بلاغية عن “كثرة الصمت” و”قلة الكلام” فيما لا يعني، أو فيما يسبب الفتنة. فالأصل هو صيانة اللسان، وعدم الخوض في الخصومات.



