اراء

مقصلة بن غفير.. الأسرى بين الموت البطيء وقانون الاعدام

بقلم: د. أميرة فؤاد النحال..
في اللحظة التي يمرّر فيها الاحتلال قانون إعدام الأسرى، يكتمل شكلٌ جديد من الهندسة الممنهجة للموت، حيث يتحوّل الاعتقال من إجراء قمعي إلى بنية موتٍ مؤسَّسة، تُدار بيد بن غفير كجزء من مشروع أوسع لإخضاع الوعي الفلسطيني عبر تفكيك إرادة الأسرى، فاستشهاد 110 أسرى في أقل من عامين كان إعلاناً مبكراً عن مرحلة القتل المحسوب، الذي يسبق القانون ويمهّد له، ويحوّل السجون إلى مناطق تصفية بطيئة تتجاوز حدود القانون الدولي والأخلاق البشرية معاً.
لأول مرة يتعامل الاحتلال مع الأسرى باعتبارهم ملفاً للتصفية الشاملة، وليس ككيانات محمية وفق اتفاقيات دولية، وهذا التحوّل يفضح التوجّه الصهيوني نحو شرعنة الإبادة الفردية بعد الإبادة الجماعية في غزة، ضمن سردية واحدة، وذلك بسحق كل ما يمثّل تهديداً للهيمنة الصهيونية، ولو كان ذلك عبر تقنين القتل وتحويله إلى بند قانوني.
الإعدام البطيء كسياق تأسيسي لقانون الإعدام
لم يأتِ قانون إعدام الأسرى من فراغ؛ فقد سبقه مسار طويل من الإعدام البطيء الذي شكّل البنية التمهيدية لشرعنة القتل العلني. فالإهمال الطبي، ومنع العلاج، والتعذيب كانت أدوات سياسية لإنتاج نموذج جديد من السيطرة، نموذج القتل المُدار الذي يُستنزَف فيه جسد الأسير تدريجياً إلى أن يصبح موته أمراً مفهوماً داخل المجتمع الصهيوني.
من خلال تحويل الحق في العلاج إلى امتياز قابل للمنع، أعاد الاحتلال تعريف حياة الأسير كمجرّد رصيد قابل للتآكل، فالتعذيب والإهمال يشتغلان هنا كـبرمجة مسبقة للموت؛ فهما يختبران حدود ردود الفعل الدولية ويُنتجان سردية صهيونية تعتبر حياة الأسير غير محمية، ما يجعل تقنين الإعدام لاحقاً خطوة منطقية لا صادمة.
وعندما يُمنع العلاج أو يُقيّد وصول الأسير إلى أبسط مقوّمات البقاء، يُنتَج تدهور صحي؛ وأيضاً سردٌ اجتماعي مُهيَّأ، يترسّخ في الوعي العام داخل المنظومة الصهيونية أن حياة الأسير خياراً يمكن شطبه دون أن يُعدّ ذلك جريمة، وهكذا تتشكّل آلية خطيرة اسمها التطبيع مع الموت المُدار: تتدرّج المواقف من تقصير إلى إهمال مُبرَّر ثم إلى إجراء أمني، ليصبح قانون الإعدام لاحقاً مجرّد ترجمة تشريعية لثقافة باتت جاهزة نفسياً وسياسياً لتقبّل القتل كسياسة عامة.
بن غفير وصناعة مؤسسة الموت
لم يكن بن غفير مجرّد وزير يعتلي منصباً أمنياً؛ لقد دخل المنظومة وهو يحمل مشروعاً صريحاً لتحويل السجون إلى بنية عقابية تقوم على إنتاج الموت لا إدارة الاعتقال، فالرجل يتعامل مع السجن كـمسرح يختبر فيه قدرته على إعادة تعريف القوة داخل “إسرائيل”، وصياغة مكانته السياسية عبر التحكم المطلق في حياة الأسرى الفلسطينيين.
فمنذ تولّيه وزارة الأمن القومي، أعاد بن غفير هندسة السجون وفق ما يشبه “بروتوكول تصفية بطيئة” من خلال: تقليص الطعام إلى حدّ التجويع المقصود، وتفريغ العلاج من مضمونه، وتكثيف العزل، وتوسيع التفتيش والقمع الجماعي.
هذه الإجراءات كانت بناءً ممنهجاً لسجن يتحوّل تدريجياً إلى مؤسسة موت، وفي نظر بن غفير، لا يحتاج الإعدام إلى غرفة خاصة أو قرار قضائي؛ يكفي أن تُدار بيئة السجن بطريقة تجعل الحياة فيه عملية استنزاف يومي تؤدي للنتيجة ذاتها.
ما فعله هو نقل السجون من كونها أماكن للاعتقال إلى وحدات إعدام مؤسسية دون إعلان رسمي؛ كأن القتل يُنفّذ بصمت، بينما يُترك القانون لمرحلة لاحقة، فقط ليمنح هذا الواقع اسمه الحقيقي.
لهذا يوظّف بن غفير الموت داخل السجون كأداة حكم بثلاث وظائف أساسية:
ترسيخ صورته كقائد فوق القانون: حين يفرض سياساته على مصلحة السجون ويتجاوز المعايير الدولية، يقدم نفسه لقاعدته باعتباره الرجل الذي يكسر القيود ويعيد لكيانهم هيبته، وهنا يتحول الموت من جريمة إلى استعراض قوة سياسي.
تعزيز ثقافة الانتقام بدل منظومة العدالة: وذلك عبر ترسيخ فكرة أن الفلسطيني مستباح وأن حياة الأسير لا تستحق المعاملة الإنسانية، يعيد تشكيل الوعي الصهيوني باتجاه قبول القتل كخيار مشروع، وهذا يعمّق الانقسام ويمنح بن غفير موقع الممثل الأجرأ لمعسكر التطرف.
القانون الجديد.. شرعنة القتل وتفكيك الحماية القانونية للأسرى
يمثّل تمرير قانون الإعدام في السياق الصهيوني تحوّلاً نوعياً في مسار القضية، فلم يعد الأمر مجرد تشديد أمني أو ردع، إنّما صار إعادة رسم لحدود الحياة والموت ضمن معادلة السيادة، فالقانون هنا يعمل كأداة تثبيت نهائي لمعادلة سبق أن جُرّبت عملياً داخل السجون، من الإهمال إلى الإبادة الجزئية، ومن القتل غير المعلَن إلى القتل المُعطى صفة الشرعية، وهذا التحوّل يُقرأ سياسياً بوصفه توسيعاً لمنطقة الاستباحة؛ إذ يُصبح الفلسطيني -خصوصاً الأسير- مُعرَّفاً قانونياً كشكل من أشكال الخطر الدائم الذي لا يُستحق عنه سوى إدارة النهاية.

أما في مواجهة اتفاقيات جنيف ومعايير حقوق الإنسان، فإن القانون الجديد لا يرفضها فقط؛ إنّما يفكّكها من الداخل عبر آليتين مترابطتين: أولاً، إعادة تعريف الأسير من شخص محمي إلى موضوع قابل للتصنيف العقابي حتى لو كان ذلك بخرق مفهوم الحماية ذاته؛ وثانياً، إفراغ الضمانات الإجرائية من مضمونها عبر تحويل الإعدام إلى نتيجة تُستدعى كمقتضى أمني بدل أن تُعامل كاستثناء لا يُتصوَّر.
صدمة الأرقام ماذا تكشف حصيلة 110 شهداء عن بنية السجون؟
حين تُقرأ حصيلة 110 شهداء خلال أقل من عامين بوصفها رقماً سياسياً لا إحصائياً، تتبدّى السجون كنظام إنتاج موت أكثر مما هي نظام احتجاز، فالرقم هنا يعمل كبصمة تُظهر أن الموت صار مخرجاً متكرراً داخل تصميم المؤسسة العقابية، مؤسسة تُدار بحيث يُصبح تدهور الجسد نتيجة متوقعة، ومُحتسبة ضمن معادلة التحكم.
إذا فككنا أنماط الموت داخل السجون، يتضح أن ثلاثة مسارات تتشابك لتنتج النتيجة نفسها:
الإهمال الطبي بوصفه آلية تجفيف بطيء لوظائف الجسد؛ إذ يُدار المرض كعملية استنزاف مقصودة.
الحرمان الغذائي بوصفه ضغطاً هيكلياً يختزل الكرامة إلى معادلة السعرات والفتات، ويحوّل الجوع إلى أداة ترويض سياسي تُستخدم لإخضاع الإرادة دون إراقة دم مباشرة.
التعذيب بوصفه أداة إعادة تشكيل للذات؛ هدفه تفكيك القدرة على الرفض حتى يصبح الاستسلام الخيار الأكثر بقاءً.
تدويل القضية؛ لماذا أصبح ملفّ الأسرى أقرب إلى جرائم ضدّ الإنسانية؟
مع إقرار قانون الإعدام، انقلب ملفّ الأسرى إلى منظومة جريمة مُستمرّة تُنتج أذىً متكرراً ومنظّماً وفق منطق يمكن وصفه بالهندسة الإدارية للموت، فإدارة روزنامة الانهيار الجسدي (مرضاً بلا علاج، جوعاً مُداراً، عزلاً مُطوّلاً) ثم إضفاء غطاء تشريعي على النهاية المطلوبة، في هذا الإطار، يصبح الحديث عن مأساة فردية تماهياً مع خطاب المُرتكب؛ أما القراءة السياسية الدقيقة فتُصنّف ما يجري بوصفه نمطاً مؤسسياً من العنف المنهجي يلتقي مع معايير الجرائم ضد الإنسانية حين يتجوّل القتل داخل السجون بوصفه سياسة.
من هنا تتبدّى قابلية التدويل ليس كضرورة مُلحة، فالقضية تتجاوز حدود انتهاك حقوق إلى بنية تُنتج أذىً جماعياً متكرراً، وهو ما يفتح بوابة المساءلة الجنائية الدولية؛ فالـICC أعلن اختصاصه الإقليمي على الأراضي الفلسطينية وفتح تحقيقاً رسمياً في جرائم حرب مزعومة ضمن هذا السياق، ما يقدّم مساراً قانونياً يمكن أن يستوعب ملفّ السجون بوصفه جزءً من نمط أوسع من الجرائم المنسوبة إلى القضية الفلسطينية.
والأخطر سياسياً أن القانون الجديد يعمل على تفكيك الحماية القانونية للأسرى من الداخل، حيث يُعاد تشكيل الواقع بحيث تصبح الضمانات نصوصًا معلّقة، وتحويل الأسير إلى موضوع قابل للتصفية بدل أن يُعامل كشخص محمي، وهو انقلاب يضرب جوهر القواعد الإنسانية (الحد الأدنى من الحماية وفق القواعد المعيارية في القانون الإنساني) التي تفرضها على من لا يشاركون في القتال أو أُخرجوا منه.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى