أسود الرافدين و(عقلية) البطولات

بقلم/ عمار ساطع..
قلتُ في وقتٍ سابق وفي أكثر من مناسبة، إنَّ منتخبنا الوطني يتأقلم مع أجواء البطولات، أكثر من تفاعله مع مراحل التصفيات أياً كانت.
ولكي أقرّب الصورة أكثر للقراء الأعزاء، فإن حماسة اللاعبين واندفاعهم وانسجامهم، أصبحت دليلاً دامغاً على أسود الرافدين، تستهويهم حالة التجمع أكثر بكثير من المراحل المتباعدة وفي فترات مختلفة.
وفي الحقيقة، فإن ذلك ظهر في مناسبات متعددة، كانت أبعدها في فترة كأس أمم آسيا 2019 في زمن السلوفيني كاتانيتش، وأقربها في ذات البطولة مطلع العام الماضي إبان قيادة الإسباني كاساس، وظهر الأمر اليوم ببطولة كأس العرب بشكل أكثر قناعة مع الأسترالي أرنولد.
إن نسق البطولات يتواءم مع عقلية لاعبينا ويتفاعل مع طبيعتهم التنافسية؛ فالميدان حين يكون بطولةً وليس مجرد مباراة أو اثنتين، تتغيّر الروح ويتصاعد الأداء إلى مستوى آخر، بشكل لا يمت بصلة لمنتخب يصبح غريباً حتى في الملعب شكلاً وأداءً وتفاعلاً، لكون التجارب السابقة أظهرت حقيقة لا تقبل الشك. مباراتان، بتشكيلة أغلبها محلي من دوري نجوم العراق، وأيام قليلة من التحضير، كشفتا عن أن منتخبنا تغلب على نفسه في صراع التحدي مع الذات، وأكد أنه قادر على استيعاب الدروس التي مرَ بها باحترافية عالية. انتصاران، الأول على الأحمر البحريني، الذي وقف عقبة أمام الأسود منذ 15 عاماً، من دون أن نفلح في الفوز عليه، والثاني جاء ممزوجاً بتفوق دراماتيكي محسوب على صقور الجديان من لاعبي السودان، تركا أثرين مهمين لدى القائمين والمتابعين، ووضع فيهما أسودنا الأشاوس بصمتين تحت يافطة (نحن هنا أسياد للعرب).
صدارة لِلمجموعةِ الرابعة بستِ نقاط، وضمان بلوغ الدور ربع النهائي، قبل مواجهة الجزائر في ختام مرحلة المجموعات، كلها كانت أسباب كفيلة بأن ترتبط بمشاركة تؤكد أن العراق يقحم نفسه مع كبار العرب بقوة تكفل له نسيان مشاركة سابقة للنسيان.
وفي الواقع فإن ما حصل لمنتخبنا في مواجهتي البحرين والسودان، بدد تماماً ذلك التشبث الحاصل بعدد من العناصر التي لم تظهر بالشكل الفاعل في فترات سابقة، وأكد وجود لاعبين مهمين ومؤثرين لم تسنح لهم الفرصة في التعبير عن إمكانياتهم، وما يحتفظون به من أداءٍ يخدم مسيرة المنتخب.
وهنا لابدَّ من التأكيد على الاندفاع العالي والحرص غير الاعتيادي والشعور الإيجابي الذي يتعامل به لاعبونا، حينما يضعون أقدامهم في بطولة وينافسون على لقبها بكل ما يملكون من شجاعة وتفانٍ، ويصبح كل لاعب منهم أكثر تركيزاً وأكثر شراسة وأكثر قدرة على خلق الفارق. لا أريد الذهاب باتجاه المطالبة بكسب اللقب العربي، لكن منتخبنا يقترب أكثر من أي وقت مضى من حلم معانقة لقب غاب عنا أكثر من 37 عاماً، منذ لقب عام 1988 في العاصمة الأردنية عمّان، بمقابل مشاركتين سابقتين لم نصل فيهما إلى حدود التطلعات التي رسمناها مسبقاً.
إن الأسود اليوم ينسجمون مع البطولات ذات الإيقاع المرتفع، ويرتقون بأدائهم كلما واجهوا خصماً أكبر أو اختباراً أقوى، فَالبيئة التنافسية تفتح فيهم ما لا تفتحه المباريات التقليدية، ويمنحهم الضغط، طاقة إضافية لا يُفسّرها المنطق وحده.



