قصص قصيرة

ماجد سليمان/ قاص سعودي
هزال صَنَعهُ المرض
تَقُصُّ عليه القَصَص من دون ترتيب، وهي تمشط بأنامها المُتقشّرة نعومة شعره القصير، لم تكن تنوي إعلامه بحدثٍ أو إخباره بخبر، يستمع إلى صوتها الغارق بقصص الزمان العميق، وهو مُغمض عينيه الصغيرتين، وممسك بِطَرف قميصها الرماديّ الخَشِن، انتظاراً لطارق النوم.
بعد أن عَبَرَ ثلاثاً وخمسين من سنواته الرقيقة، وَجَدَ نفسه يَقُصُّ عليها حزنه بعد أن توارى صوتها بلا رجعة، أراح كفّه الباردة على تجاعيد جبينها الأبيض، وَزَحف بها على شعرها المليء بالشيب، بعد ساعات طَوى ذراعيه على هُزالها الذي صَنَعهُ المرض، وأنزلها إلى رطوبة لحدها.
لم ينطفئ وجودها في حياته بعد موتها، فحين عاد ليلته لينام، رَجَع ذلك الطفل المُمسك بقميصها، وهي تقصُّ عليه القَصَص.
حظٌّ للبيع
امرأة برصاء تقتعد كُرسيّاً من الخيزران في كوخٍ صغير، تبيع ببخس الدراهم الحظوظ القليلة، يقف في الصفّ الذي يمتدُّ من كرسيها فتى ذو بشرة سوداء، ليشتري نصيبه من الحظوظ، ولو لحظة فقيرة، وحي وَصَلَ دَورهُ أرته وجهه على الدرهم الرديء، فسألها: هذه ورقة أنهكتها الأيدي بتبادلها..
أخبرته وهو مُرتعب من موميائها: الموت يلاحقك..
فقال متبسماً بشفتين ناشفتين: أتسخرين منّي؟!
ردّت بعد ضمّ شفتيها وانفراجهما: ولن ترجع بحظٍّ أقلّ من هذا..
فحُمِل صباحاً في تابوتٍ رخاميّ يتبعه من المُشيّعين عشرون، أغلبهم من الكهول.
صُندوق العزوبيَّة
أتاهُ صَوتها من نافذتها المقابلة لنافذته.. أحسَّ بوابل أنوثة صَوتِها على أرض أُذنيه المُجدبة من وَبْل أصوات النساء.. مرَّ على سمعه كملكٍ يُغدقُ العطايا على وُزرائِه الخَوَنة.. سعى إلى النافذة بهوادةٍ وبخطىً تُطبطب على سيراميك غرفته التي تحوَّلت إلى صندوق مملوءٍ بأحلام وآمال العزوبيّة.
أطلَّ بحذرٍ وبعينين أكلتهما اللهفة لرؤية صاحبة الصوت المائيّ الذي انساب في سمعه الجاف.. ذاك السمع الذي طالما تمنَّى من أي أنثى أن تهمس فيه ولو بحرفٍ ساكن.رآها تُقلّم أظفارها على حافة النافذة .. التقت أهدابها فما أن ارتدَّ بصره المتخشّب إلا وكان شباك النافذة الزجاجي مغلقاً وقد تركت بَصْقَتها عليه لتكون تذكاراً له.



