حقيقة عاشوراء في فكر الإمام الخميني «قدس سره»


يرى الإمام الخميني قدس سره أنّ هناك وظيفتين أساستين هما نشر عقيدة التوحيد والعدل وقيام الناس بالقسط. وهذا يقتضي إزالة الموانع والمعوّقات المادّيّة والمعنويّة، وبمعنى آخر القيام بعمليّة إصلاح البشريّة وعن ذلك يقول الإمام (قدس سره): “إنّ جميع الأنبياء عليهم السلام منذ بداية البشر والبشريّة، ومنذ مجيء آدم عليه السلام وحتّى خاتم الأنبياء صلى الله عليه وآله وسلم إنّما استهدفوا إصلاح المجتمع وجعلوا الفرد فداءً للمجتمع، إنّنا لا نملك شخصاً أسمى من الأنبياء عليهم السلام أو من هو أسمى من الأئمة عليهم السلام، فهؤلاء ضحّوا بأنفسهم في سبيل المجتمع، ويقول الباري جلّ وعلا أنّه بعث الأنبياء عليهم السلام وأعطاهم البيّنات والآيات والميزان (ليقوم الناس بالقسط) فالغاية قيام الناس بالقسط. وأن تتحقّق العدالة الاجتماعيّة بين الناس ويزول الظلم ويحلّ الاهتمام بالضعفاء والقيام بالقسط”.يعتمد الأنبياء عليهم السلام طريقين لتحقيق أهدافهم، الأوّل: العلم، والثاني: الشدّة. يقول تعالى: ﴿ لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاس ﴾ يقول الإمام الخميني قدس سره: “الأنبياء العظام السابقون عليهم السلام والرسول الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم في الوقت الّذي يحملون فيه الكتب السماويّة في يد من أجل هداية الناس، كانوا يحملون السلاح في اليد الأخرى، فإبراهيم عليه السلام كان يحمل الصحف في يد، والفأس في يد أخرى للقضاء على الأصنام، وكان كليم الله موسى عليه السلام يحمل التوراة في يد والعصا في يد أخرى، تلك العصا الّتي أذلّت الفراعنة، وتحوّلت إلى أفعى وابتلعت الخائنين، وكان النبيّ الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم يحمل القرآن في يد والسيف في الأخرى، فالسيف للقضاء على الخائنين والقرآن للهداية…”.ويقول أيضاً: “إنّ نهضة الأنبياء عليهم السلام كانت دوماً هكذا، وهو أن يبرز شخص من بين المؤمنين من الطبقة المستضعَفة ويُنتَخب للدعوة، وأحد أعماله جمع الناس المستضعَفين، ودعوتهم ليقفوا مقابل المستكبرين، ويُهيّئهم لذلك العمل”.فمن مهامّ الأنبياء عليهم السلام بناء الأجيال المجاهدة والمقاومة للاستكبار. وذلك لأنّ من صلب مهامّ الأنبياء عليهم السلام تدمير ودكّ عروش ومعاقل الظالمين من جهة ومن جهة أخرى تحطيم وتدمير معاقل الوثنيّة، والعبوديّة لغير الله وعن ذلك يقول قدس سره: “لقد جاءت النبوّة وبُعث النبيّ من أجل تحطيم معاقل الظالمين الّذين يظلمون الناس، وإنّ معاقل الظلم هذه قد قامت أسسها على كدح هؤلاء الضعفاء وعلى دمائهم واستثماراتهم، حتّى أصبحت قصوراً عالية، كان مجيء النبي صلى الله عليه وآله وسلم لتحطيم هذه المعاقل وقلع جذور الظلم هذه. ومن جانب آخر فلأنّ الهدف أيضاً بسط التوحيد فقد قام صلى الله عليه وآله وسلم بهدم مراكز عبادة غير الخالق جلّ وعلا ومراكز عبدة النار وأطفأ نيرانهم”.ينظر الإمام قدس سره إلى أنّ موقع الإمام المعصوم هو حراسة القوانين والأحكام الّتي أراد الله ورسوله تطبيقها بلا أخطاء. وهذا يفترض صيانة الشرع عن التحريف، والعمل على إصلاح الأمّة وتطبيق أحكام الله فيها، لأنّ التشويه والتحريف قد يكون بالتطبيق، ولقد سبق أن مرّت عبارة للإمام في ما مرّ من الفقرات حول هدف الدِّين الّذي هو إقامة العدل في المجتمع، وتقدّم أيضاً إشارته قدس سره إلى أنّ المجتمع مقدّم على الفرد ولذلك قال: “إن جميع الأنبياء عليهم السلام وحتى خاتم الأنبياء صلى الله عليه وآله وسلم إنّما استهدفوا إصلاح المجتمع وجعلوا الفرد فداءً للمجتمع، إنّنا لا نملك شخصاً أسمى من الأنبياء عليهم السلام أو من هو أسمى من الأئمّة عليهم السلام فهؤلاء ضحّوا بأنفسهم في سبيل المجتمع”ولعلها إشارة منه قدس سره إلى مقولة الإمام الحسين عليه السلام: “إنّما خرجت لطلب الإصلاح في أمّة جدّي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أُريد أن آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر”.ويقول قدس سره عن الأئمّة جميعاً: “إنّنا نفخر لأنّ الأئمّة المعصومين صلوات الله وسلامه عليهم سُجنوا ونُفوا من أجل تعالي الدِّين الإسلاميّ ومن أجل تطبيق القرآن الكريم الّذي يعدّ أنّ تشكيل حكومة العدل أحد أبعاده، واستشهدوا في النهاية في طريق الإطاحة بالحكومات الجائرة وطواغيت زمانهم”.ومن كان إمامه كعليّ والحسين عليه السلام فلا بُدّ أن يتبعهما في رفض الظلم ومقاومته، فإنّ الإمام الخميني قدس سره يقول: “إنّ واحدة من خصائص التشيُّع الذاتيّة منذ البداية وحتّى اليوم هي المقاومة والانتفاض بوجه الدكتاتوريّة والظلم، حيث يُشاهد ذلك على طول تاريخ الشيعة…”.فعاشوراء بالنسبة للإمام الخميني قدس سره هي حركة نابعة من دور الأديان والنبوّات والإمامة، الّتي تتلخّص في القيام بمهمّتّي نشر عقيدة التوحيد وإقامة حكومة العدل الإلهيّ.وعاشوراء قيام لله من أجل إصلاح الأمّة وتقويم سلوكها في سبيل تلك الأهداف العظمى الّتي قُدِّم تحقيقها وحفظها على حفظ نفس المعصوم.وعن ذلك يقول قدس سره: “لقد بُعث الأنبياء عليهم السلام لإصلاح المجتمع وكلّهم كانوا يؤكِّدون أنَّه ينبغي التضحية بالفرد من أجل المجتمع مهما كان الفرد عظيماً، وحتّى لو كان الفرد أعظم من في الأرض فإذا اقتضت مصلحة المجتمع التضحية بهذا الفرد فعليه أن يضحّي… وعلى هذا الأساس نهض سيّد الشهداء عليه السلام وضحّى بنفسه وأصحابه وأنصاره، فالفرد يفدي في سبيل المجتمع فإذا توقّفت مصلحة المجتمع على تضحيته وجب التضحية، إنّ العدالة ينبغي أن تتحقّق بين الناس ﴿ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ ﴾ “.ويقول كذلك: “إنّ حياة سيّد الشهداء عليه السلام وحياة الإمام المهدي صاحب الزمان عجل الله تعالى فرجه الشريف وجميع الأنبياء من آدم عليه السلام حتّى الرسول الخاتم صلى الله عليه وآله وسلم كانت تدور حول محور إرساء وإقامة حكومة العدل في مقابل الظلم” .



