اراء

أسطول الصمود العالمي.. الدرس الأخير

بقلم: آسيا العتروس..

الرسالة الأولى التي سيتعيّن التوقف عندها بعد استهداف أسطول الصمود للمرة الثانية على التوالي، وتأكيد بيان السلطات الأمنية في تونس، أن الاعتداء مدبر، وهي أن منظمي هذه المبادرة والمشاركين والمتطوعين الذين جاءوا من أربعة وأربعين بلداً، مصرون وأكثر من أي وقت مضى على الابحار باتجاه غزة، رغم كل المخاطر والتهديدات التي لم تعد خفية .

الى غزة سيروا… غزة أرض العزةFree Free Palestine ، هكذا صدحت الخناجر، فيما تدافع التونسيون في وداع المشاركين في أسطول الصمود، على أمل أن يكون اللقاء قريبا على أرض تونس، بعد أن تكتمل المهمة أو هذا على الأقل ما يأمله الجميع، رغم التهديدات والمخاطر التي تترصد أسطول الصمود العالمي ..

هناك مسائل لا تخفى على مراقب عندما يتعلق الأمر بالشارع التونسي وبالقضية الفلسطينية التي تبقى على رأس الاهتمامات، رغم كل ما قيل ويقال عن الخذلان العربي والدولي والصمت المريب الذي يرافق أبشع مجازر القرن مع انقضاء أكثر من 700 يوما على الابادة في غزة باعتماد ثلاثي القصف والتهجير والتجويع.

هناك اشارات لا تخفى على مراقب، وأن في استهداف السفينة الاسبانية “فاميلي” في تونس وهو بالإضافة الى أنه اعتداء على سيادة البلد، رسالة مباشرة الى اسبانيا التي أعلنت رفضها استمرار الابادة في غزة، واتخذت اجراءات عقابية غير مسبوقة ضد كيان الاحتلال، بينها منع صفقات السلاح لتل أبيب، ومنع كبار مسؤولي هذا الكيان المتورطين في الابادة وبينهم نتنياهو وبن غفير من زيارة اسبانيا، أما السفينة الثانية “ألما” التي يعتقد أنها استهدفت بمسيرة، فهي تحمل العلم البريطاني علماً، وأن أسطول الصمود يضم أكثر من ألف مشارك من أربعة وأربعين بلدا اجتمعوا في تونس قبل التحرك باتجاه غزة، لكسر الحصار عن القطاع.. كيف ستكون الرحلة، وهل يمكن أن تبلغ هذه المرة هدفها؟ أسئلة مطروحة وسط تزايد المخاوف من عدوان اسرائيلي قد يتم في كل حين بالنظر الى امتداد ذراع كيان الاحتلال لتوسيع ضرباته على أكثر من جبهة في الشرق الأوسط .

منذ وصول السفينة الاسبانية “فاميلي” وهي الأكبر في هذا الاسطول، هبَّ الشارع التونسي لاستقبال النشطاء الذين كانوا على متنها وبينهم النائبة الأوروبية من أصول فلسطينية ريما حسن والناشطة السويدية غريتا تونبرغ بحضور المقررة الأممية لحقوق الانسان في فلسطين فرانشيسكا ألبانيز ومات النشطاء من مختلف دول العالم وذلك للإعلان عن تضامنه ودعمه للقضية الفلسطينية المستمر.. ومنذ انتشار أول خبر عن محاولة استهداف الأسطول في ساعة متأخرة من الليل، كانت جحافل التونسيين تتجه الى ميناء سيدي بوسعيد للتنديد بما حدث..

وفي انتظار انطلاق أسطول الصمود بعد تأجيل الرحلة لأكثر من سبب، فان الزحف الشعبي على ميناء ولاحقا الى ميناء بنزرت كانت رسالة مهمة الى كل العالم ترجمت الوعي الشعبي العابر للحدود لكل الجنسيات المشاركة في أسطول الصمود بأن وقف جريمة الإبادة، أمر لم يعد يقبل التأجيل، وأن التواطؤ الدولي والانحياز الغربي الأعمى لكيان الاحتلال تجاوز كل الحدود.

ندرك جيدا الحالة الهستيرية لنتنياهو كلما تعلق الامر بأية مبادرة انسانية مدنية ضد ظلم واستبداد الاحتلال الاسرائيلي والتحركات انتصاراً للعدل والقانون الدولي، وندرك جيداً مخاطر سياسة المكيالين وعجز المنظمات الأممية عن الضلوع بمسؤولياتها في ردع هذا الكيان ومن هذا المنطلق تبقى مهمة أسطول الصمود  مهمة انسانية تأريخية في الضغط لإنهاء الابادة وكسر الحصار.

طبعا لا يمكن لتتار العصر المارد الاسرائيلي أن يقبل بالتحولات المتسارعة في مختلف المجتمعات الحية والنخب والمؤسسات الحقوقية والاعلامية التي بدأت تستعيد وعيها وتعلن رفضها لجرائم الابادة وتطالب بمقاطعة ومعاقبة هذا الكيان، وقناعتنا أن هذا الكيان الأرعن وزعيمه مجرم الحرب لن يتوانى عن استهداف الأسطول في قادم الأيام إذا اقترب من تحقيق هدفه.. ولا شك أن نتنياهو الذي أسقط من قاموسه كل الخطوط الحمراء سيضع المجتمع الدولي مجددا أمام اختبار مصيري، فإما أن ينتصر للقانون الدولي والانساني أو يستعد لهيمنة قانون الغاب الذي لن يقف عند حد ..

اليوم تتجه الانظار الى أسطول الصمود، على أمل أن يتقدم باتجاه غزة… طبعاً لسنا بالسذاجة التي تجعلنا نعتقد أنها مهمة خالية من المخاطر أمام كيان لا يعترف بأي خطوط حُمر.. تتجه الأنظار بكثير من الخوف، ولكن بكثير من الأمل أيضا، أن تصل الرسالة الى كل العالم وأن تبلغ القافلة هدفها وتنتصر لأطفال غزة المجوعين وأهلها المنكوبين وتسجل بعض الأسطر الناصعة في سجل الانسانية العليلة، بأن هناك في هذا العالم بقية من ضمير انساني ينبض بالإرادة والحياة ضد كل أنواع الظلم والغدر والتوحش.. وعندما نستمع لتصريحات ومواقف رئيس الوزراء الاسباني سانشيز بأن بلاده لا تمتلك قنابل ذرية أو حاملات طائرات أو موارد نفطية ضخمة، لكنها ستواصل دعم غزة لوقف الإبادة، ندرك أن العالم يمكن أن يتغير، ويمكن أن ينتبه الى أن الاحتلال الاسرائيلي بات في حالة انفلات.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى