اخر الأخباراوراق المراقب

دلالات إفشاء السلام ومعانيه

من محاسن الأخلاق، وأفضل الآداب التحية بالسلام، وهي أدب إسلامي اجتماعي رفيع، والسلام يعبِّر عن تبادل مشاعر الحب والود تجاه من نُلقي عليهم التحية بالسلام، كما يولد شعورًا نفسيًّا بالأمن والسلامة من كل الآفات والمخاطر التي يمكن أن تفتك بالإنسان أو تضر به، روي عن الإمام عليّ: «إنَّ بَذْلَ التّحيَّةِ مِن مَحاسِنِ الأخْلاقِ».

ومعنى (السلام عليكم) سلام الله عليكم، وهو عبارة عن الدعاء للآخرين بالسلامة من كل الآفات والمكاره والمخاوف والنقائص فيما يتعلق بالدين أو النفس، وفيه عهد من المسلمين فيما بينهم بحفظ دمائهم وأعراضهم وأموالهم؛ فالذي يُلقي السلام على أحد الأشخاص كأنه يقول له: ألقيتُ إليك سلامةً وأمانًا من كل ما يضرك أو يسيء إليك أو يخيفك، فالسلام هو بمثابة عهد وميثاق يعاهد به الناس بعضهم بعضًا على أن يكفَّ كل واحد منهم عن التعرض لدم أخيه وعرضه وماله، أو الإساءة إليه، أو إيذائه بأي نوع من الإيذاء النفسي أو الجسدي.

وفي تحية الآخرين بالسلام إعلان عن مشاعر المودة والمحبة، والإخاء والتحابب والتآزر والتآلف معهم، والسلامة من شرور بعضهم بعضًا، واستقرار الأمن والاطمئنان فيما لو عملوا بمضامين ومقتضيات السلام.

واختار الإسلام شعار (السلام عليكم ورحمة الله وبركاته) تحيةً بين المسلمين للتعبير عن تلك المعاني والدلالات المهمة في نشر ثقافة السلام بين المسلمين.

ودعا القرآن الكريم إلى إفشاء السلام بين الناس، ورد التحية بأحسن منها، يقول تعالى: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا﴾، ورد التحية بالأحسن يزيد من مشاعر الود والحب والوئام، والله محاسب كل من لا يرد السلام لأنه ترك واجبًا.

واستفاد الفقهاء من هذه الآية الكريمة وجوب الرد في السلام، فالابتداء بالسلام مستحب ولكن الرد واجب، وقد روي عن رسول اللَّهِ قوله: «السلامُ تَطَوُّعٌ، والرَّدُّ فَريضَةٌ».

والسلام هي تحية أهل الجنة أيضًا، يقول تعالى: ﴿دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ﴾ وقوله تعالى: ﴿وَأُدْخِلَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ تَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ﴾ بل إن القرآن الكريم أطلق على الجنة (دار السلام) كما في قوله تعالى: ﴿لَهُمْ دَارُ السَّلَامِ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾.

أفشوا السلام

يحث الإسلام كثيرًا على إفشاء السلام بين الناس، ليعيشوا في أمن وسلام واطمئنان، فهو سبب للألفة والتآلف والالتئام والانسجام، وموجب لحسن المعاشرة والمخالطة، والعيش بسلام، فقد روي عن رسول الله أنه قال: «أفشِ السلامَ يَكثُرْ خَيرُ بَيتِكَ» ، وعنه قال: «إنَّ السلامَ اسمٌ مِن أسماءِ اللَّهِ تعالى‏، فَأفشُوهُ بَينَكُم» ، وعن رسولِ اللَّهِ  قال: «ألَا أُخبِرُكُم بخَيرِ أخلاقِ أهلِ الدُّنيا والآخِرَةِ؟» قالوا: بَلى‏ يا رسولَ اللَّهِ، فقالَ: «إفشاءُ السلامِ في العالَمِ»، وعن الإمام الباقر: «إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ إطعامَ الطَّعامِ، وإفشاءَ السَّلامِ».

إن إفشاء السلام بين الناس يخلق شعورًا بالمحبة والمودة بينهم، وأما التعامل مع الآخرين ببرود وجفاف فيؤدي إلى التنافر والتباعد بينهم؛ فالشعور الإيجابي له قوة جاذبة، بخلاف الشعور السلبي الذي له قوة طاردة.

ولأهمية السلام في المنظومة الأخلاقية ورد النهي عن الرد على أي إنسان يتكلم قبل أن يسلم، فقد روى إسماعيل بن أبي زيادٍ عَن أبي عبد اللَّه، عن آبائه قال: قالَ رسولُ ‏اللَّهِ: «مَن بَدَأ بِالكَلامِ قَبلَ السلامِ فلا تُجِيبُوهُ» ، وعن الإمامُ الصَّادق: «السَّلامُ قَبلَ الكلامِ»، وذلك كي يتحول السلام إلى عادة يتعود عليها الإنسان في تعامله مع الآخرين.

ويهدف التشجيع على إفشاء السلام في المجتمع إلى تعزيز قيم التراحم والتكافل والتوادد والتحابب والإخاء بين أفراد المجتمع ومكوناته، ليكون المجتمع المسلم قويًّا ومتماسكًا وشامخًا يشد بعضه بعضًا، ويعيش بسلام وأمن واطمئنان بعيدًا عن التحارب والتقاطع والتدابر.

سلموا على أهل بيتكم

كما يُستحب للإنسان أن يسلم على كل من يلقاه من الناس، كذلك يستحب له أن يسلم على أهله وعائلته عند دخول البيت، يقول تعالى: ﴿فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَىٰ أَنْفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً﴾، وفسَّر الإمامُ الباقرُ هذه الآية الشريفة بقوله: «هُو تَسليمُ الرَّجُلِ على‏ أهلِ البيتِ حينَ يَدخُلُ، ثُمَّ يَرُدُّونَ علَيهِ، فهُو سَلامُكُم عَلى‏ أنفُسِكُم».

وعن رسول اللَّهِ: «إذا دَخَلَ أحَدُكُم بَيتَهُ فَلْيُسَلِّمْ؛ فإنَّهُ يَنزِلُهُ البَركَةُ، وتُؤنِسُهُ الملائكةُ»، وعن الإمام الباقر: «إذا دَخَلَ الرَّجُلُ مِنكُم بَيتَهُ، فإن كانَ فيهِ أحَدٌ يُسَلِّمُ علَيهِم، وإن لَم يَكُن فيهِ أحَدٌ فَلْيقُلْ: السلامُ علَينا مِن عِندِ رِبِّنا، يقولُ اللَّهُ: (تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً)

وهذا توجيه جميل ولطيف، إذ إن السلام على أفراد العائلة -وخصوصًا من رب الأسرة- يساهم في خلق أجواء السعادة والسلام والاطمئنان في البيت العائلي، ويزيد من المحبة والمودة فيما بينهم، فالسلام يعبر عن مشاعر إيجابية، وأما عدم السلام والدخول إلى البيت بوجه عابس فيعبر عن مشاعر سلبية، ويخلق أجواء من السلبية وعدم الاطمئنان والاستقراء، فلا تبخلوا على أهلكم وعائلتكم من إلقاء السلام عليهم، وعوِّدوا أفراد العائلة على فعل ذلك، كي يعمَّ السلام أرجاء الدار ومن فيها.

أبخل الناس

إن أبخل الناس من يبخل عن إلقاء السلام على الآخرين. روي عن رسول الله أنه قال: «إنَّ أبخَلَ الناسِ مَن بَخِلَ بِالسلامِ» ، وعن الإمام الصَّادق قال: «البَخِيلُ مَن بَخِلَ بِالسلامِ» ، فمن يبخل عن إلقاء السلام هو أبخل من الذي لا يعطي المال، فالمال يحتاج بذله إلى كرم وجود صاحبه، وأما السلام فلا يكلف الإنسان شيئًا سوى التعبير عن مشاعر الحب والود تجاه الآخرين.

السلام عبادة

السلام عبادة، وهو أمر مستحب شرعًا، ورده فريضة، وفيه أجر وثواب جزيل، فقد روي عن رسول اللَّهِ  أنه قال: «إنَّ أولَى الناسِ بِاللَّهِ وبرسولِهِ مَن بَدَأ بِالسلامِ» وعنه  قال: «أطوَعُكُم للَّهِ الذي يَبدَأُ صاحِبَهُ بِالسلامِ»، وعن الإمام عليّ  قال: «السلامُ سَبعونَ حَسَنةً، تِسعَةٌ وسِتُّونَ لِلمُبتَدي وواحِدَةٌ لِلرّادِّ».

وعَنِ الْحَسَنِ بْنِ الْمُنْذِرِ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِاللَّهِ َيقُولُ: «مَنْ قَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ‏، فَهِيَ‏ عَشْرُ حَسَنَاتٍ؛ وَمَنْ قَالَ: سَلَامٌ‏ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ، فَهِيَ عِشْرُونَ حَسَنَةً؛ وَمَنْ قَالَ: سَلَامٌ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ، فَهِيَ ثَلَاثُونَ حَسَنَةً».

والسلام من موجبات المغفرة، فقد ورد عن رسول الله أنه قال: «إنَّ مِن مُوجِباتِ المَغفِرَةِ بَذلَ‏ السلامِ وحُسنَ الكلامِ».

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى