اراء

هل يفعلها السيسي؟ مصر بين قيود “كامب ديفيد” ونداء اللحظة التأريخية

بقلم: إلهامي المليجي..

في حياة الأمم لحظات فاصلة لا تتكرر، تُشبه ومضة البرق من يلتقطها يخلُد في سجلات التأريخ، ومن يتردّد يذُب اسمه في هوامش النسيان.

هكذا كان قرار تأميم قناة السويس عام 1956، حين أمسك جمال عبد الناصر باللحظة وحوّلها إلى شرارة أشعلت مجدًا وطنيًا وعربيًا وأمميًا. واليوم، تقف مصر أمام لحظة لا تقل خطورة: عدو صهيوني ينفّذ حرب إبادة وتجويع منذ ما يقرب من عامين ضد غزة، يدفع أهلها إلى التهجير القسري نحو سيناء، ويعلن قادته بوقاحة مشروع “إسرائيل الكبرى” من النيل إلى الفرات. فهل يفعلها عبد الفتاح السيسي؟ هل يلتقط اللحظة ليكتب اسمه في سجل الخالدين؟

“كامب ديفيد”.. القيد الذي كبّل مصر

لم تكن كامب ديفيد سلامًا، بل قيدًا جرى إحكامه على عنق مصر. جمال حمدان وصفها بأنها خطر استراتيجي على الأمن القومي، إذ كبّلت حركة الجيش في سيناء بملاحق أمنية جعلت السيادة منقوصة، ومنحت “إسرائيل” حرية فرض الوقائع. ولم يكن المفكرون وحدهم من رأى هذا الخطر، بل رجال الدولة أنفسهم: إسماعيل فهمي استقال احتجاجًا على زيارة القدس، ثم جاء وزير الخارجية محمد إبراهيم كامل فاستقال قبيل التوقيع على “كامب ديفيد”، وسجّل في كتابه “السلام الضائع” أن المعاهدة لم ترد الحقوق بل أهدرت أوراق القوة، وحوّلت انتصار أكتوبر إلى هزيمة سياسية مغلّفة.

خروقات بلا حساب

منذ أربعة عقود، لم تكفّ “إسرائيل” عن انتهاك المعاهدة: تجاوزات في الملحق الأمني، تجسس وتوغلات عسكرية، محاولات لفرض أمر واقع على الحدود. تعاملت مع “كامب ديفيد” كهدنة لصالحها، تُلزم مصر بقيودها بينما تطلق يدها. وهكذا تحوّل اتفاق وُلد باسم السلام إلى سلسلة قيود أرهقت مصر، وأطلقت العنان لمشروع صهيوني لا يعرف الكبح.

إسرائيل الكبرى”… الوجه الفاضح للمشروع الصهيوني

نتنياهو لم يعد يُخفي شيئًا: رفع خريطة “إسرائيل الكبرى” في الأمم المتحدة متحديًا العالم. هذه ليست خريطة وهمية، بل برنامج عمل يتقدّم خطوة بعد أخرى، من الاستيطان إلى الحروب، ومن التهجير إلى محاولة تغيير الجغرافيا السياسية للمنطقة. لقد تحوّلت “كامب ديفيد” إلى غطاء لتمدد   “إسرائيل”، فيما تدفع مصر اليوم ثمن هذا الوهم القديم.

فرصة السيسي التأريخية

هنا يطل السؤال الكبير: هل يفعلها السيسي؟

إنها فرصة لا تمنحها الأيام إلا لقلة من القادة. كما التقط ناصر شرارة القناة فكتب اسمه في سجل الخالدين، يستطيع السيسي أن يلتقط شرارة سيناء، فيحوّل الخطر إلى مجد.

أمامه أن يقول للعالم إن مصر لن تكون مكبًّا للتهجير، ولن تقبل أن تُستدرج إلى مشروع “إسرائيل الكبرى”. إما أن يبقى أسيرًا لاتفاق كبّل مصر أربعة عقود، أو أن يخلّد اسمه كقائد أعاد صوغ معادلة الأمن القومي.

ساعة الحقيقة

مصر ليست دولة على الهامش، بل قلب الأمة. فإمّا أن ينهض قلبها ليقود من جديد، أو يظل مكبّلاً باتفاق أرهقها نصف قرن. والتأريخ لا يرحم من فوّت ساعة المجد.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى