ثآليل على وجه البشرية

بقلم: أ.د. طالب أبو شرار..
أجل هم كذلك مجرد ثآليل تشوه وجه البشرية، من يحمل تلك الثآليل لا ينتمي الى الجنس البشري بل ينتمي حتما الى كائنات كريهة ومخيفة لا تمت لنا نحن البشر بأية صِلة، ليس هناك من علاج للثآليل غير استئصالها من جذورها.
من يقول غير ذلك لا يعرف هوية تلك الكائنات الشيطانية ويخدعه مظهرها المغطى بطبقات من الزيف ومعسول الكلام، ولكي أبين حجتي فيما أقول، أحتكم الى عقولكم وضمائركم لتقولوا لي كيف يُصنَفُ وحشٌ بمظهرٍ بشري أنيق يُنظِرُ الى انكار وجودِ شعبٍ عريق ويطالب بإبادة حضوره الحضاري والإنساني، هو يفعل ذلك كي يفسح المجال أمام حشودٍ من المشردين المتقاطرين من جميع أرجاء الكرة الأرضية ليهدموا حضور هذا الشعب المسكين ويحولوه الى كتلٍ بشريةٍ من اللاجئين الهائمين في شتى أرجاء المعمورة.
هم قطعان سائبة يحركها الجشع ويغيب عنها الضمير، ليس ذلك تحاملا بل سردا للحقيقة لأن من يحركه وهمُ الأساطير ومن لا يردعه ضميرٌ انساني فلا يستقرئ عواقبَ فعله هو مجرمٌ بالفطرة. هكذا تدفق المهاجرون اليهود متطلعين الى سلب الفلسطينيين كل ما يملكونه ثم طردهم من وطنهم بل وقتلهم عند الضرورة، ليحلوا محلهم. كان وما يزال شعارُهم “أنا أولا وأنا أخيرا” ولأن ذلك هو شعارَهم الذي لا يحيدون عنه، أحمقٌ هو من يظنُ بهم خيرا.
هم يمارسون فعل السيد الأوحد في بلادنا المنكوبة بطاعونهم فهم من يقرر حدودَ نفوذِه وأُسسَ طاعته: هذه المنطقة ستكون منزوعة السلاح وتلك ستصبح منطقة أمنية لا يحق لكم إدخال السلاح اليها وأخرى سيتم تفريغها من أهلها فهي مخصصة للاستيطان اليهودي وهكذا دواليك، من يرفض ذلك سيتم قصفه بالطائرات أو بالمدفعية أو بالصواريخ أو بواسطة السفن الحربية.
لا تهم الوسيلة، المهم هو الانصياعُ لمشيئة السيد، المهمُ هو أمن ما يسمونه “إسرائيل” ومن أجل أمنها كل شيء مباح، لا تحدثوني عن حقوق الانسان أو عن جرائم الحرب، فهذه مقولات لا تعنيكم بل تعنيهم هم، السيد الغربي وخادمه المطيع المغروس في حلوقنا، هل نسيتم قرار المحكمة الجنائية الدولية؟ ألا تعرفون كيف تعاملت معه الولايات المتحدة الأمريكية؟ لا بد أنكم عرفتم أنها ألقت به الى سلة المهملات واستقبلت نتنياهو وهو المجرمَ المدان استقبالَ الأبطال. لم تستقبله مرةً واحدة ًبل مراتٍ عديدةً ولم يقتصر الاستقبال ُالحميم على رئيس تلك الولايات بل تشعب الى جهات عديدة، أفراداً ومؤسسات تخللها العناقُ والثناءُ والضحكات. آهٍ، تلك الضحكات الممزوجة بالصرخات والآهات الصاعدة الى سماء غزة الموجوعةِ التي يذبحها الصهاينة وحلفاؤهم كل يومٍ من الوريد الى الوريد.
أما أنتم يا أهل غزة الذين لم يجدوا نصيراً من أبناء جلدتهم أو مِلَتهم فلم يكن خذلانكم من هذه الأمة المتعوسة بدايةَ الخذلان. لقد سبقتكم في ذات المأساة إشبيلية التي لم تكن لتسقط بيد فرناندو الثالث ملك قشتالة لولا تحالف ملك غرناطة الغالب بالله ابن الأحمر. تخيلوا أنه الغالب بالله، ألا يذكركم هذا الوصف المقدس بأسماء مشابهة في زماننا الرديء؟.
لولا ذلك الخذلان لما تمكنت تلك الثآليل من النمو الذي يليه نموٌ فنموٌ ثالثٌ ورابعٌ وهكذا دواليك. هذه الثآليل لن تتوقف عن النمو بل ستكسوا كل أجسادكم، لتجعل منكم كائنات لا تمت لجنسها “العربي الأصيل” بصلة، من راهن على حتمية الصحو المتأخر لبني جلدتنا لنصرة الأهل في غزة لا يعرف تأريخ أولئك “الأهل”.
اليوم يوغل ذوو الثآليل الصهاينة في ذبح أهلنا في مدينة غزة تحديدا، يقصفون المدنيين الجوعى والمحاصرين الذين عايشوا أهوال تلك السنين الثلاث، فيقتلون النساء والأطفال وتتصاعد صرخات الذعر والألم الى عنان السماء دون مجيب أو مغيث. هل يعقل أن يصل بنا الذل والهوان الى هذا الدرك؟! لم يعد هناك دركٌ دون هذا الدرك الذي انتهينا اليه، فماذا تنتظرون من بعد؟ نحن ننحدر الى سفالةٍ لم يشهدها تأريخ البشرية من قبل، فهل نخجل من أنفسنا أم ترانا أموات مجردين من الكرامة وبلا مشاعر أو لعلنا ننتظر الله ليحاربَ نيابةً عنا كما تمنى عليه أعداؤنا من قبل.



