الظالمون يُركَسون في الظلام

يكاد الظلم أن يتصدر كل الأسباب التي تُضعف الروابط الإنسانية بين الناس وتُخلخل البناء الاجتماعي، وتجعل من المجتمع أو الأمة، في حالة متدنية، لا تعرف الطريق إلى التطور حتى لو مضى عليها دهور من الزمن، يحدث هذا بسبب ظلم الناس لبعضهم، وهنا تكمن خطورة الظلم، ففي عالم اليوم يُقاس المجتمع بمقدار التطور الذي يمكن أن يحرزه ويتفوق فيه على مجتمعات أخرى، والظلم هو العائق الأكبر لتقدم المجتمعات.
وإذا أردنا البحث في معنى الظلم فإنه يعني فيما يعنيه وضع الشيء في غير مكانه أو موضعه، وكلنا على علم بالقول المعروف (وضع الرجل المناسب في المكان غير المناسب)، فالظلم يكاد يتشابه في المعنى مع هذا القول، لذا فإن الظلم لا يسمح للفرد ولا للأسرة، ولا للجماعة ولا للمجتمع أن يتقدموا خطوة واحدة إلى الأمام، وهذا سبب تخلف الدول والمجتمعات التي يكثر فيها ظلم الناس بعضهم بعضا.
وهناك ظلم يُغفَرُ للإنسان، لأن يتعلق بالإنسان نفسه، فهناك أناس يظلمون أنفسهم، ولا يبالون في هذا الأمر، وكأنهم يتعاملون مع عدوهم وليس أنفسهم، فظلم الإنسان لنفسه يتجسد في ارتكابه للذنوب سواء كانت صغيرة أو كبيرة، بشرط أن لا تصل إلى درجة الشرك بالله، أما دون ذلك فيمكن أن يُغفَر ذنب الإنسان وهذه المسألة ترتبط بمشيئة الله تعالى.
الحذر الشديد من اللامبالاة
هنالك بشر يسيئون لأنفسهم بشكل متكرر ومع سبق الإصرار، فيكون واحدهم مستعداً للمعصية ولا يفكر في عواقبها التي قد تكون وخيمة، وبهذا سوف يقع تحت وطأة العقاب، ومع ذلك طالما أن الأمر يتعلق بنفسه وليس بالآخرين، فإن الله تعالى رحيم بالعباد كما جاء في الآية الكريمة، (قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا ۚ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ)، سورة الزمر، الآية 53.
وفي كل الأحول لا يمكن إفلات الظالمين من الأفعال المحرّمة والأذى الذي يلحقونه بالآخرين، فإن الله تعالى ربط غفران هذا النوع من الظلم بالمظلوم حصراً، أي لابد أن يوافق المظلوم على إعفاء من ظلمَهُ من العقوبة الإلهية.
وإذا كانت بعض الحقوق يتم هدرها وبعض الذنوب يتم التغاضي عنها في الدنيا، تحت أسباب القوة والنفوذ والمال والسلطة والمحاباة وسوى ذلك، فإن الآخرة تغيب عنها مثل هذه الوسائل، فلا مال ولا قوة ولا سلطة ولا نفوذ يخلّص الظالم من الحساب الإلهي العادل.
وحين نتساءل عن نوع العذاب الذي يتلقّاه الظالم في الدنيا قبل الآخرة، فإن الظالمين غالبا ما يُصابون بأمراض معقدة أو مركبة يصعب العلاج والبراء منها، كذلك هناك آلام مبرحة تُلحَق بالظالمين وهم لا يزالون على قيد الحياة، وتوجد أمراض تجعل الظالم يتأسف كثيراً ويلوم نفسه ويشعر بالندم لأنه أقدم على ظلم الآخرين.
تصحيح الأخطاء قبل فوات الأوان
هذه في الحقيقة عبارة عن دروس مجانية تُقدَّم للجميع، حتى لا يتوهموا بأن قوتهم وسلطتهم ونفوذهم ومصالحهم تستحق أن يظلموا بسببها الناس، فالظالم سوف يتلقى جزاءها الإلهي إن لم يكن في الدنيا، فتوجد المحطة الأبدية التي يظهر فيها كل ذنب إلى العلن، وكل نفس سوف تذوق العذاب الذي يوازي الذنب الذي ارتكبته.
لذلك ينبغي ان يحذر الجميع من التعامل بلا مبالاة في ارتكاب الذنب بحق الآخرين، لأنه لا يُغفَر إلا بموافقتهم أو بتعويضهم عما لحق بهم من ظلم، وهذه أيضا دروس لابد أن يطلع عليها الجميع حتى لا يتوهموا بأنهم قادرون على ظلم الناس متى ما أرادوا.
الله تعالى يحمي عبادهم، ويعدل فيما بينهم، ويقتص من الظالمين، ويرحم من يستحقون الرحمة، لاسيما في عالم مادي باتت الأموال هدفاً واسعاً له، وصارت المادة المعقدة عنواناً عريضاً له، فلا يجوز التعدي على الآخر، ولا إلحاق الأذى بشخصه أو أسرته، فالنتائج ستكون وخيمة عليه، وليس أمامه سوى التخلص من هذه الذنوب وهو لا يزال محسوباً على الدنيا، فليحرك سريعاً أولئك المذنبون الذين تجاوزا على حقوق الناس بدافع القوة والسلطة والنفوذ.
ولا يجب أن يفرح الظالم، عندما يرى ظالماً أفلح من العقاب في الدنيا، أي أنه مات ولم يتعرض لعقاب ملحوظ، فهذا لا يعني مطلقا بأن العقاب قد رُفِعَ عنه أو ابتعد عنه، بل هو يقف له بالمرصاد في دار البقاء، حيث الآخرة ويوم الحساب بانتظار الظالمين لكي يروا بأنفسهم ظلمهم الذي دمّر حياة الآخرين وحرمهم من العيش بكرامة وأمن وسلام، فحينما يُمهل الله تعالى الظالم إنما يؤجل حسابه إلى يوم القيامة وهو يوم الحساب الذي لا يستثني الظالمين.
وهكذا فإن الظلم والظلام لا يفترقان، لأن الظلم يقود صاحبه إلى ظلام يوم القيامة، وبهذا يتم استرداد الحق الذي أهدره الظالمون بحق المظلومين، لذا حريٌّ بمن لا تزال الفرص متاحة لهم بإصلاح وتصحيح حالات الظلم التي قاموا بها، حري بهم أن يتحركوا سريعاً وقبل فوات الأوان، لتصحيح ومحو الظلم الذي ألحقوه بالناس حتى يكونوا في مأمن من عذاب يوم الحساب.



