اراء

دبلوماسية المقاومة

بقلم: السفير د. عبد الله الأشعل..

المقاومة تكون معها عادةً طبقة سياسية لكي تستفيد منها في دفع الجوانب السياسية. فكانت فيتنام تواجه أمريكا في الميدان مدعومة من الصين والاتحاد السوفيتي مع كيسنجر الذي تفاوض سرا مع الفيتكونج فى باريس خمس سنوات كاملة وتمكن أخيراً فى يناير 1973 من إبرام الاتفاق. وسبب نجاح فيتنام وانتصارها هو التناغم بين المقاومة والطبقة السياسية التي تفاوضت مع أمريكا. ولكن المقاومة الفلسطينية في موقف معقد لأن فكر المقاومة يختلف عن السلطة الفلسطينية .

فتؤمن المقاومة بأن القوة حتى لو لم تكن متكافئة هي الطريق الوحيد للتعامل مع إسرائيل. ولكن السلطة ترى التعامل مع إسرائيل بالمفاوضات التي تتخذها إسرائيل فرصة لكسب الوقت، ويستحيل الجمع بين الطرفين .

ويقصد بدبلوماسية المقاومة أن المقاومة ماهرة في ميادين القتال كما أنها ماهرة سياسيا، أي ميدانيا ومكتبياً ونسجل الانتصارات الدبلوماسية والنفسية الآتية إلى جانب المهارة القتالية رغم كل شيء..

الانتصار الأول: موجه إلى المجتمع الإسرائيلي وهدفه استراتيجي وهو تفكيك إسرائيل وفي هذا المقام نميز بين السلوك المتعمد من المقاومة بهذا القصد وهو مشهد تسليم المخطوفين، أما الأثر الآخر فتمسك المقاومة بشروطها ورغم الحرب النفسية المحبوكة من العدو ضد المقاومة. والسلوك المتعمد الحضاري إذاعة تسجيل للأسرى يشيدون بالمقاومة والذم في الحكومة الإسرائيلية وحرص المقاومة رغم المخاطر على المخطوفين وإصرارها على أن التبادل هو الطريق الوحيد لاستنقاذ المخطوفين. يضاف إلى ذلك المقارنة بين سلوك المقاومة تجاه الأسرى الأعداء والأسرى الفلسطينيين في سجون الاحتلال ومعاناتهم.

الانتصار الثاني هو اقتناع أمريكا بأن المقاومة منتصرة عسكريا رغم دعمها للجيش الصهيوني ولا شك ان هذه الحقيقة ألقت ظلالا من الشك والقلق على مستقبل اسرائيل وعدم جدوي الاعتماد عليها ولذلك لجأت امريكا الى المفاوضات المباشرة بينها وبين حماس دون ابلاغ إسرائيل وهذا تطور جديد ولكن يترتب على ذلك أنه يقرأ في إطار العلاقات دون مبالغة كأن نستخلص أن الولايات المتحدة قد استغنت عن إسرائيل. لأن الولايات المتحدة تأريخياً كانت تساند إسرائيل وتتبنى وجهة نظرها والتفسير المناسب والمستساغ في هذه الحالة ليس الرجوع للتفسيرات التقليدية فالولايات المتحدة تعترف بأن إسرائيل أداة لها في المنطقة وتستخدمها ولذلك لن تسمح الولايات المتحدة بهزيمة إسرائيل من المقاومة أو من الجيوش العربية ووضعت واشنطن صيغة لميزان القوة والمنطقة وهي أن إسرائيل لابد أن تكون أقوى من الدول العربية مجتمعة وهو أن إسرائيل زُرعت رغم أنف المنطقة والوسط العربي يعاديها ثم في مرحلة تالية تحسدها المنطقة على الازدهار والقوة.

كان ذلك في الماضي لكن بعد 1967 لم يعد هذا التفسير  مقنعا. والتفسير الذي كشفته ملحمة غزة منذ ما يقارب 600 يوم من الحرب بين إسرائيل والمقاومة هو أن إسرائيل صورة للولايات المتحدة وهي النسخة الأصغر للمنطقة لأن الولايات المتحدة بدأت بالصهيونية التقليدية وهي إبادة السكان الاصليين وبناء الامبراطورية الأمريكية على جثثهم وأراضيهم ولذلك من السذاجة أن نفكر في فصل إسرائيل عن الولايات المتحدة كما فكر العرب ذات يوم.

الانتصار الثالث هو تفاوض أمريكا مع الحوثيين والاتفاق معهم على امور لا تُرضي إسرائيل بل إن إسرائيل لم تخطر بهذه المفاوضات وانما اُخطرت بالاتفاق.

ويقضي الاتفاق بوقف الحوثيين هجماتهم ضد الاهداف الأمريكية في المنطقة والأهداف الأخرى في البحر الأحمر وبحر العرب ولكن احتفظ الحوثيون بحقهم في منع السفن الاسرائيلية من استخدام هاتين المنطقتين واطلاق يدهم في ضرب إسرائيل واستمرار الهجوم الصاروخي وبذلك حصر هذا الاتفاق العداء بين انصار الله وإسرائيل مادامت إسرائيل تبيد غزة ويتوقفون بعد وقف الابادة مما أغاظ إسرائيل.

الانتصار الرابع هو أن ترامب يفاوض مع حماس لإطلاق سراح الجندي المزدوج الجنسية الأمريكي الإسرائيلي ورفض الأسير الأمريكي الإسرائيلي أن يصافح نتنياهو لعلمه أن ترامب هو الذي أطلق سراحه ولم يعلم حتى الآن المقابل الذي أخذته حماس أو وعدها ترامب به.

الانتصار الخامس تصور ترامب بعيدا عن تصور إسرائيل، فقد صرح ترامب خلال جولته في الخليج أن سياسته هي القضاء على المقاومة في فلسطين بالاضافة إلى القضاء على حزب الله في لبنان عن طريق قطع العلاقات والإمدادات بين إيران وبين الحزب والمقاومة عموما ودعم الجيش اللبناني حتى يدمر المقدرات العسكرية لحزب الله لصالح إسرائيل.

الانتصار السادس هو الملف الايراني حيث يتفاوض ترامب مع إيران دون التشاور مع إسرائيل أو تبنى وجهة نظرها تجاه إيران أي أن ترامب أدلى بتصريحات قوية خلال زيارته للسعودية بدأها بالإعلان عن فرض أقصى العقوبات على إيران وتأكيده استحالة حصول إيران على السلاح النووي وتخيير إيران بين أمرين إما الاستمرار في العقوبات أو الخضوع لشروط ترامب فى المفاوضات التي بدأت في مسقط. ولكن لوحظ أن ترامب لم يتحدث عن توجيه ضربه لإيران حسبما تريد إسرائيل.

والخلاصة أن ترامب غاضب من إسرائيل ولكن لن يضغط على نتانياهو للتماشي مع سياسته ولن يتخلى عن إسرائيل ودعم وجودها.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى