“خياط الموتى” شخصيات تقطن منطقة برزخية بين الحياة ونقيضها

المراقب العراقي/ المحرر الثقافي…
يشكّل عنوان المجموعة «خياط الموتى» للكاتب كرار السعد، مفتاحًا تأويليًا عميقًا يثير القارئ منذ الوهلة الأولى، الخياط – رمز الترميم وإعادة الصياغة – يلتقي بالموتى، وهم رمز الفقد والنهاية، العنوان يوحي بفكرة الترميم الرمزي للموت أو محاولة كتابة “أجساد” الحكايات الميتة من جديد، إنه عنوان يقترح على القارئ، أن يدخل عالمًا تتقاطع فيه الحياة والموت، الواقع والرمز، الحاضر والغياب.
وقال الكاتب كرار السعد في تصريح خص به “المراقب العراقي”: إن “خياط الموتى” ليست مجرد مجموعة سردية، بل مرآة سوداء يتأمل فيها الإنسان هشاشته، وعزلته، ومسرّاته الموجعة، يُظهر كرار السعد، قدرة مدهشة على استخدام أدوات الشعر في صناعة القصة، ويمنح قارئه، فرصة للذوبان في طبقات متعددة من المعنى، إنها تجربة فريدة، تسير بخفة على حافة الموت، لكنها تترك خلفها، ظلالًا كثيفة للحياة”.
وأضاف: إن “المجموعة تضم 56 قصة قصيرة جدًا (ومضة)، ما يمنحها، تنوعًا مشهديًا وتوزيعًا إيقاعيًا متناغمًا، في مسعى إلى تركيب فسيفساء سردية، كل قطعة فيها تضيء فكرة، أو تنهش في سؤال، ومن المعروف ان الأدب الذي يثير الاسئلة هو من يبحث عن الناقد والقارئ على حد سواء”.
وتابع: إن “هذه البنية الومضية تشترط على الكاتب، اقتصادًا لغويًا، وقد ذهبت باتجاه هذا الاقتصاد، معتمدًا على التكثيف، والإزاحة، والاختزال، دون أن يفقد حرارة الشعور أو دقة التوصيف”.
من جهته، قال الناقد عبد الكريم حمزة عباس في قراءة خص بها “المراقب العراقي”: اللغة في مجموعة “خياط الموتى” تمتاز بالشاعرية العالية، حيث تتقاطع اللغة النثرية بالشحنة الشعرية في كثير من المواضع، دون أن تفقد صلابة المعنى والمجاز والرمز إذ يميل السعد إلى المجاز المركّب، وتوظيف الرمزية الدالة على صراع الذات مع العالم مثل (المقصلة، الغبار، الريح، الظل، البحر، النوافذ) واستخدام الأضداد: “الحياة والموت، النور والظلمة، العشق والانطفاء، الجسد والعدم”، وهذه الثنائية تمنح اللغة توترًا دائما”.
وأضاف: “لا يُطرح الموت كفجيعة فقط، بل كحالة جمالية أيضًا، ككائن رمزي يصاحب الإنسان في لحظاته اليومية، الموت هنا ليس النهاية، بل مرآة للحياة، كما تتكرّر صور الظل، المرايا، النوافذ، الغياب، القبور كإشارات إلى الفقد، وكأن الشخصيات تعيش في منطقة برزخية بين الحياة والموت”.
وأوضح: إن “معظم القصص مكتوبة في أجواء تجريدية، معزولة عن الزمان والمكان، وكأن القارئ يتجول في حلم/ كابوس رمزي أكثر من كونه في حكاية واقعية، حيث يتحرّك السعد في مساحة تجمع بين الشعر والقص، وتُظهر نصوصه ميلًا نحو “البرقيات الوجودية” أكثر من سرد الحكايات المتكاملة، في القصص الموت ليس مجرد حدث، بل هو جسد ناقص، والكاتب يحاول أن يخيطه – كما في العنوان – لتشكيل قصة”.
وبيّن: ان “بعض النصوص تميل إلى الغموض المُفرط، مما يجعل القارئ يواجه صعوبة في بناء المعنى؛ وهذا قد يُفسَّر كعمق، لكنه أحيانًا يبدو التباسًا غير ضروري، كما أن هناك تشابهاً في بعض النصوص من حيث البنية الصورية أو الأسلوب، ما يؤدي إلى شعور طفيف بالتكرار في بعض المواضع، إضافة الى أن الفضاء الزمني والمكاني يبدو غائبًا أو باهتًا في معظم القصص، ولو كان ذلك مقصوداً، فإن إدخال ومضات مكانية أو تلميحات زمانية، قد يمنح القصص مساحات تنفس إضافية”.
وأكمل: ان “مجموعة «خياط الموتى» تأتي ضمن موجة عراقية لافتة من كتّاب القصة القصيرة جدًا، وتتميّز عن غيرها بتركيزها الفلسفي واللغوي المكثف، وابتعادها عن المباشرة أو الحكاية النمطية، إنها إضافة مهمة إلى مشهد السرد القصير جدًا، وتُثبت أن هذا النوع لا يزال قادرًا على التجدد وتوسيع أدواته”.



