اخر الأخباراوراق المراقب

قواعد التربية على خطى المعصوم (ع)

علي الموسوي..

لم تكن الأسرة في حياة الرَّسول الأعظم محمَّد (صلَّى الله عليه وآله) وأهل بيته الطَّاهرين (عليهم السلام) رابطة نسبيَّة تحفظ الأنساب فحسب، وإنَّما كانت موئلًا للرَّحمة، ومجالًا خِصْبًا لنموّ الإيمان، وتربيَّة القلوب على محبَّة الله (تعالى) والسَّير على صراطه المستقيم. ولقد رسم رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) في سلوكه العائلي أرقى لوحة للأبوة، التي لا تقوم على التَّسلُّط أو فرض الهيبة؛ بل على العطف الممزوج بالإجلال، والحنان الممزوج بالتَّوقير؛ فحين تدخل السيِّدة فاطمة الزَّهراء (عليها السلام) عليه، كان ينهض لها، ويقبِّل يدها الطَّاهرة، ويُجلسها في مجلسه. وحين يرى الإمامين الحسن والحسين (عليهما السلام)، لا يتردد في أن يقطع خطبته، وينزل من منبره، ليحتضنهما ويضمَّهما إلى صدره؛ ليروي عطش الأبوة، وليعلِّم الأجيال أنَّ الأسرة حضنٌ يُنشئ الأبطال ويُربِّي الأولياء والصَّالحين.

ومن اللافت للنظر أنَّ هذا الحضور العاطفي الكبير، وتلك المساحة الرَّحبة من الحنان والاحتواء، كانت جزءًا من منهجٍ تربويٍّ مدروس، أراد من خلاله النَّبي الأعظم (صلَّى الله عليه وآله) أن يغرس الإيمان في القلوب، من خلال الحبِّ الذي يلامس الأعماق، والقدوة التي تُخاطب الفطرة؛ فالرسول الأعظم (صلَّى الله عليه وآله) كان يصوغ بهذا الأسلوب المفعم بالمحبَّة ملامح أمَّة بأكملها، ليقول لها: هكذا تُبنى البيوت التي تنبثقُ منها أنوار الهداية. وأنَّ طريق الإيمان وبناء النُّفوس يبدأ من كلمةٍ طيِّبة، وسلوكٍ يجعل من البيت مدرسةً لبناء العظماء.

وقد سار الأئمة الطَّاهرون (عليهم السلام) على هذا النَّهج النبوي المبارك، فحملوا شعلة الرَّحمة في بيوتهم كما حملوا لواء الدِّين في الأمَّة. وكانت العلاقة بين الآباء والأبناء لغة الحبِّ التي تسري في كلماتهم، وإشراقة الإحساس النَّبيل التي تحيط بمواقفهم، كما تحيط الرَّحمة الإلهيَّة بعباده.

تأمَّلوا مثلًا، كيف يتحدَّث أمير المؤمنين (عليه السلام) مع ولده الإمام الحسن (عليه السلام) في وصيَّته الخالدة، فيقول: “وَجَدْتُكَ بَعْضِي بَلْ وَجَدْتُكَ كُلِّي حَتَّى كَأَنَّ شَيْئاً لَوْ أَصَابَكَ أَصَابَنِي وَكَأَنَّ الْمَوْتَ لَوْ أَتَاكَ أَتَانِي.

ما أعجب هذه اللغة!

وأي أبوة هذه التي تنبع منها المحبَّة بكلِّ هذا الصَّفاء، وتفيض من كلماتها حرارة العاطفة الصَّادقة! أبوة ترى في الابن حياةً تمسُّ الحياة، وكأنَّ الألم إذا أصابه أصاب والده، وكأنَّ الموت إذا دنا منه زلزل كيان الأب من أعماقه.

وحين نفتح الصَّحيفة السَّجاديَّة للإمام زين العابدين (عليه السلام)، نجد دعاءً كاملًا خصَّصه لأولاده، يقطر من جوانبه الإحساس بالمسؤوليَّة، وتنبض به عبارات التضرع، وكأنَّ الأب يجعل صلاح ذريته جزءًا من عبادته، وسطرًا من سطور ولايته.

لقد أراد (عليه السلام) أن يُفهمنا من خلال ذلك الدُّعاء العميق، أنَّ الاهتمام بالأسرة هو عبادة قائمة، وطريق موصل إلى الله (تعالى)، ومدرسة تتربَّى فيها القلوب قبل أن تُربَّى فيها الأجساد.

والآن، نُطلُّ عليكم ببعضٍ من كلمات الدُّعاء المبارك، لنرى كيف تصوغ الإمامة شعور الأبوة بلغةٍ لا تشبه إلَّا النُّور: “أللَّهُمَّ وَمُنَّ عَلَيَّ بِبَقَاءِ وُلْدِي، وَبِإصْلاَحِهِمْ لِي، وَبِإمْتَاعِي بِهِمْ. إلهِي أمْدُدْ لِي فِي أَعْمَارِهِمْ، وَزِدْ لِي فِي آجَالِهِمْ، وَرَبِّ لِي صَغِيرَهُمْ وَقَوِّ لِي ضَعِيْفَهُمْ، وَأَصِحَّ لِي أَبْدَانَهُمْ وَأَدْيَانَهُمْ وَأَخْلاَقَهُمْ، وَعَافِهِمْ فِي أَنْفُسِهِمْ وَفِي جَوَارِحِهِمْ وَفِي كُلِّ مَا عُنِيْتُ بِهِ مِنْ أَمْرِهِمْ، وَأَدْرِرْ لِي وَعَلَى يَـدِي أَرْزَاقَهُمْ، وَاجْعَلْهُمْ أَبْرَاراً أَتْقِيَاءَ بُصَراءَ سَامِعِينَ مُطِيعِينَ لَكَ وَلأَوْلِيَائِكَ مُحِبِّينَ مُنَاصِحِينَ، وَلِجَمِيْعِ أَعْدَآئِكَ مُعَانِدِينَ وَمُبْغِضِينَ آمِينَ”.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى