ثقافية

لا تزرعي يا سيدتي الورود..

لا تزرعي يا سيدتي الورود.. فما عاد للورد عطر ولا لون وما عادت الأرض ترضى أن تضم بين ثنايا رملها أعواد تلك الأزهار الملونة, ولن ترضى قطرات الندى أن تتراقص فوق أوراقها عند شروق الشمس..
القي يا سيدتي عن يديك المعول، لا تحفري.. وتجهدي, فلن تجدي من يشم أزهارك أو يشتريها ليزين فيها أماكنه الجميلة ولن تجدي عاشق طوته صفحات السفر يهديها لمحبوبه. امسحي عنك يا سيدتي دموع الألم وغبار السير والتعب فالأرض بحاجة لكل قطرة تسيل من عينيك لتروي فيها ورداً يانعاً غير تلك الورود، قطفتها يد المنون وزرعناها في جنان القبور. ألا تشمين عطر الشهادة يملأ هذا المكان الرحب انظري حولك ستجدين صورها تزين المكان وأسماءها مرسومة بفرشاة الحزن وكحل الأمهات؟
هنالك يا سيدتي، زرعنا أنواع شتى من أزكى أنواع الورود وأطيبها في ذلك القبر، زرعنا ورود النرجس، وهناك الياسمين. ومن بين حبيبات الرمل الأحمر، يفوح عطر الجوري وورد الأقحوان. هنا، وهنا، في كل مكان ملأنا الثرى.. وزيّنا محافلنا بلوحاتها اليانعة ورودا صافية ونقية طاهرة, بريئة وجميلة..
أتدرين يا سيدتي؟ ورودنا لا تحمل الشوك في أعوادها الطيبة بيضاء نقية خضب لونها دم الشهادة الأحمر..
هناك سيدتي, أب, أخ, أبن.. فرسانا لا تجدين في قصص الخيال رجالا مثلهم رسموا معنى الحياة الأبدية بعطائهم وجودهم, وتضحياتهم بالغالي والنفيس ليحفظوا عقيدتهم ووطنهم..
رجال تحسرت ساحة الطف بأنهم ولدوا في غير زمان الحسين (ع), ولم يسيروا في فوج العباس (ع)، ولم يدركوا خيام الزينبيات وهي تحترق بنيران الكفر والجهل, لكنهم أبوا ألا أن يكون لهم ساحة جديدة للطف ليولد فيهم حبيب وعابس وزهير من جديد. انطلقوا في ساحات الوغى يرفعون شعار هيهات منا الذلة وهيهات أن تسبى زينب (ع) مرتين, ملأوا قلوب الشياطين رعبا وهلعاً.. ليقول قائلهم ألم نذبح الحسين فكيف يولد هؤلاء الحسينيون؟, ألم نقتل العباس ونقطع كفيه فمن أين يأتي لهم العزم والقوة والهيبة؟.. ليرضخ ويقول هيهات أن الحسين لا يموت والعباس يرمي من سيفه النار والرصاص.
يا سيدتي، أولئك أحباب محمد الخاتم (ص) وأبناء علي الكرار (ع) يشترون الشهادة بأنفسهم ليحملوا إليهم راية النصر. سيري وانظري ـ يا سيدتي ـ ماذا ترين في مدينة الأحياء؟ قصص وحكايات، مشاهد القبور لشجعان تتحدث، قل نظيرهم، صنعوا بذكرياتهم روح للحياة تزخ في نواحيها أمطار عيون الفاقدين لتعجز عن وصفها أقلام العارفين، حيث تتجلى أرواحها العطرة في سماء الألفة، وترف بأجنحة الطمأنينة، تتجاذبها وصال العشق بالمحبوب وتسجد شكراً في ساحة الشهود ويقين المعرفة والوحدانية على عظيم النعم وهدايا الملك الجبار للجود بالنفس والإخلاص للرب.
أعذري يا سيدتي قلب أب زف ولده بيده ليفوز بعروسته الخالدة وجنته الباقية في مقام يغبطه عليه الملائكة، فتأوهت بحرقة وألم وأعطت لدموعها حق الهطول، وأطرقت برأسها وقالت “يا أخي.. عذرا لك, لقد زرعت هنا زوجا وأخاً وواسيت بمصابي بهم أم المصائب سيدتي الحوراء زينب.. وأنا أزورهم كل يوم أقرأ لهم آيات من فرقان الرحمة وأروي تربتهم الزكية العبقة بماء الحب والشوق”.

الشيخ محمد الساعدي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى