مشروع “إسرائيل الكبرى”.. من جدران كازينو بازل إلى واقع استيطاني ماثل

بقلم: الرئيس علي ناصر محمد..
في وضع عربي معتل استمرأ التقصير فيما كان يراه التزاما قوميا مصيريا نحو ماكان يسميه “قضية العرب الأولى”، فلسطين، يواصل مجرم الحرب بنيامين نتنياهو، وهو بكامل الثقة الإعلان عن سياسات الكيان الصهيوني الاستعمارية التوسعية وهو يعي أن موجة الغضب الشعبي والسياسي العربي والدولي المناهض للكيان الصهيوني، على ما يرتكبه من حرب إبادة وتجويع بحق الشعب الفلسطيني في غزة لن تثنيه مهما بلغت ذروتها طالما أن الولايات المتحدة في جيبه.
في محاولة لصرف الأنظار عن جرائم دولته الوحشية في غزة والضفة ولبنان وسوريا، ولإعادة شدّ العصب وتعزيز العصبية الصهيونية في الشارع الإسرائيلي وفي مراكز التأثير الصهيونية على صناع القرار في كل أنحاء العالم، أطلّ نتنياهو وبعض أعضاء حكومته بتصريحات استفزازية وعنجهية غير مسبوقة معلنين عدم التراجع عن قيام “إسرائيل الكبرى”. نتنياهو أكد أنه في “مهمة روحية وتأريخية”، واجبة التنفيذ وكأن الوقت قد حان لإخراج هذا المشروع من الظل إلى العلن، في ظل العجز العربي والتواطؤ الدولي لمقاومة التوسع الصهيوني في أراضي ست دول عربية.
بدأ التحضير لهذا المشروع منذ 130 عامًا، وبعد تأسيس الكيان عام ١٩٤٨ لم يعد حبيس جدران “كازينو بازل” في سويسرا، الذي انعقد فيه المؤتمر الصهيوني الأول في 29–31 أغسطس 1897، برئاسة الصهيوني النمساوي تيودور هرتزل. لقد سُنحت لي الفرصة بعد جهد جهيد زيارة المكان في صيف عام 2010 ودخلتُ قاعة الكازينو التي احتضنت المؤتمر، أو المؤامرة وكان في استقبالي لوحة تذكارية عند مدخله مكتوبة بثلاث لغات، تُحيل إلى أيامٍ وقراراتٍ ما زالت تزعزع استقرارنا وتصر على رسم حاضر ومستقبل منطقتنا وتهدد وجود الشعب الفلسطيني. في داخلها، تتجاور الزخارف الأوروبية الكلاسيكية مع مقاعد خشبية عتيقة وصورٍ لهرتزل ورفاقه وكل شيء يوحي بأن المكان تحول من صالة حفلات إلى منصة لوضع خرائط سياسية تتجاوز حدود المدينة. قرأتُ العبارة المنسوبة لهرتزل في مذكّراته عن مخرجات ذلك المؤتمر: «لقد أسست هنا الدولة اليهودية.. وإن لم يحدث هذا خلال خمس سنوات فسيحدث بعد خمسين سنة»؛ جملة قصيرة بثقل تأريخٍ دموي استثنائي قل نظيره. وقد تحقق ما قاله بعدها بنحو واحد وخمسين عامًا بقيام الكيان الصهيوني بقرار من الأمم المتحدة استخدمت فيه الحركة الصهيونية وداعميها الرشى للحصول على أصوات بعض الدول. ونحن نيام.
تأملتُ الجدران وكأنها ما تزال تحتفظ بأصداء النقاشات الأولى حول «الدولة اليهودية» في فلسطين العربية وكيف ستقوم، وبأي أدوات. خطر لي أن هذا المكان البعيد جغرافيًا عن فلسطين كان أقرب ما يكون إلى غرفة عمليات لاغتصاب وطنٍ لأناس يدعون وصلا تأريخيا زائفا به.. هنا وُضعت البدايات الفكرية والتنظيمية والحركية لمشروعٍ تمدّد لاحقًا على الأرض، فصل الجسد العربي إلى أوصال، وجرَّ وراءه تواطؤاتٍ إقليمية ودولية، فيما دفع الفلسطينيون كل الثمن .
خرجتُ من القاعة وأنا أشعر أن «مشروع إسرائيل الكبرى» لم يعد حبيس جدران الكازينو؛ فما صيغ هنا بافتراء على «التأريخ والدين» نراه اليوم يُترجم إلى خرائط استيطان وخطط تهويد على الأرض وعمل لايكل ولايمل. ونحن نصرح ونصرح ونستغيث بالغير.
منذ ذلك المؤتمر، عملت المنظمات الصهيونية على تنفيذ قراراته بخطوات مدروسة ومتزامنة، بتنظيمها هجرات يهودية إلى فلسطين، مستغلة تحولات إقليمية ودولية. تنامى الاستيطان، وفرضت الوقائع على الأرض. ونحن وفي المقدمة الخلافة العثمانية عاجزون. واليوم، وبعد أكثر من قرن، يرى قادة هذا الكيان أن الفرصة مؤاتية لاحتلال كل فلسطين واستقطاع أراض عربية أخرى لتنفيذ مشروعهم من “النيل إلى الفرات” وتوسيع نطاق سيطرتهم تحت شعارات دينية وتأريخية مزعومة تسندها القوة والتواطؤ الدولي ويمهد لها الطريق الانقسام العربي.
إنْ صحونا اليوم -وإن جاءت الصحوة متأخرًة- أفضل من أن نستسلم لفرض أكثر من أمر واقع يزلزل كياناتنا. في هذا السياق، تابعنا المواقف العربية الرسمية الرافضة لتصريحات نتنياهو وخطة الاستيطان المعروفة بـ”E1″، والإدانات القوية من جامعة الدول العربية، وجمهورية مصر العربية، والمملكة العربية السعودية، والمملكة الأردنية الهاشمية، ودولة الكويت، وغيرها من الدول العربية والإسلامية، التي أكدت أن هذه المشاريع تمثل انتهاكًا صارخًا للقانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة، وخطرًا يهدد الوجود العربي ذاته.
لكن، يجب ألا نكتفي بالإدانات والبيانات والتصريحات؛ بل ينبغي أن يتبع ذلك خطة عمل واضحة ومشروع عربي متكامل لمواجهة المشروع الصهيوني التوسعي الذي يهدد الأمة العربية ومقدساتها ووجودها. لقد أثبتت التجارب أن هذا الكيان لا يسعى للسلام، ولا لتطبيع العلاقات ونيل الشعب الفلسطيني حقوقه المشروعة أو للانسحاب من الاراضي المحتلة في سوريا ولبنان أو توخي الاستقرار في المنطقة، بل يسعى دومًا إلى إشعال الأزمات وإدامة الصراعات، لأن السلام الحقيقي يهدد وجوده القائم على الحروب والنزاعات، التي يستمد منها قوته وبقاءه ودعم الولايات المتحدة غير المشروط له.
لقد حذرنا مرارًا، منذ السابع من أكتوبر ٢٠٢٣ وحتى اليوم، من أن حرب الإبادة والاستيطان لن تتوقف عند حدود غزة والضفة الغربية، بل ستمتد إلى لبنان وسوريا والأردن ومصر والسعودية، وهو ما أعلنه اليوم مجرم الحرب الفاشي، بنيامين نتنياهو، في تحدٍّ صارخ للدول العربية وللمجتمع الدولي.
وعليه، فإننا نناشد الدول العربية بعقد قمة عربية طارئة لاتخاذ موقف موحّد لمواجهة هذا المشروع الصهيوني التوسعي الخطير، واستخدام جميع الإمكانيات العسكرية والسياسية والاقتصادية والإعلامية وغيرها، قبل أن يقع الفأس في الرأس، ويصبح ما نحذّر منه اليوم واقعًا لا يمكن التراجع عنه. دقت ساعة العمل العربي. فلسطين تناديكم. فلاتخذلوها.



