اخر الأخباراوراق المراقب

حين تسير العفة نحو كربلاء.. رحلة النِّساء في زيارة الأربعين

صباح الصافي..

تخاطب الشَّريعة الإسلاميَّة الرَّجل والمرأة على قدم المساواة في أعباء التَّكليف الشَّرعي، فتُحمِّل كليهما التَّكاليف الدِّينية بلا تمييز، كما بيَّن ذلك قول الله (تعالى): (وَالمُؤْمِنُونَ وَالمُؤْمِنَاتُ بَعْضَهُمْ أَولِياءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ المُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ أُولئِكَ سَيَرْحَمُهُمْ اللهُ إِنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ).

لكن الشَّريعة تأخذ بعين الاعتبار الفروق الفطريَّة التي تميِّز طبيعة كلٍّ منهما، فتفرض على كلِّ طرف واجبات تتناسب مع تركيبه البيولوجي والنَّفسي، وهو أمر ينبع من حكمة ربَّانيَّة متقنة. فلا يجوز إغفال أنَّ لكلٍّ منهما صفات ومقوِّمات تختلف عن الآخر، وهذا الاختلاف لا يقلل من قيمة أي منهما؛ بل يكمل بينهما التَّوازن في الحياة الاجتماعيَّة والشَّرعيَّة.

ويمكن تشبيه هذا الأمر بوظيفة العظم والغضروف في جسم الإنسان؛ فالعظم هو الرَّكيزة التي تمنح الجسم الثَّبات والصَّلابة، أمَّا الغضروف فهو المسؤول عن المرونة والحركة، وكلاهما ضروري لاستقامة الجسم وأداء وظائفه. وإذا تمَّ التَّعامل مع العظم والغضروف على هيأة كيان واحد متجانس دون تمييز، فسيصاب الجسم بالشَّلل أو الإعاقة. وهكذا، فإنَّ تجاهل الفروق الدَّقيقة بين الرَّجل والمرأة في تحديد الواجبات الشَّرعيَّة سينتهي إلى خلل في النِّظام التَّكليفي الذي وضعه الشَّرع الحكيم، ويُعطِّل الأداء الطَّبيعي للأدوار المجتمعيَّة. هذا من جانب.

ومن جانب آخر، إذا افترضنا المساواة الكاملة بين الرَّجل والمرأة في جميع الواجبات والمسؤوليَّات بلا مراعاة لاختلاف طبيعتهما، فإننا نُثقل كاهل المرأة بأعباء لم تُخلق لها، ونحمِّلها ما لا يناسب تكوينها الجسدي والنَّفسي. وهذا أشبه بمحاولة تحميل سيَّارة صغيرة بحمولة شاحنة ثقيلة؛ فمهما كانت جودة هذه السَّيَّارة وأناقتها وكفاءتها، فإنَّ الضَّغط الزَّائد عليها سيتسبب في إنهاكها وتعطيلها عن أداء وظيفتها التي خُلقت لها، وقد يتسبب بانهيارها تمامًا. وهكذا، فإنَّ تجاهل طبيعة المرأة لا يُحقق العدالة؛ وإنَّما يظلمها ويُعرِّضها للإرهاق والانكسار تحت شعارات ظاهرها المساواة، وباطنها الإجحاف.

وهذا التَّشبيه يعكس بدقَّة جوهر الحكمة الإلهيَّة في تنظيم الأدوار والواجبات بين الرَّجل والمرأة؛ إذ الرَّجل يتمتع بصفات تؤهله لتحمُّل أعباء معيَّنة، والمرأة لها خصائصها التي تمكِّنها من أداء مهام أخرى تتناسب مع طبيعتها الفطريَّة.

وعليه، فإنَّ تحميل المرأة نفس أعباء الرَّجل في كلِّ ما يتطلَّب قوَّة بدنيَّة أو تحمُّلًا معيَّنًا، سيجعلها عُرضة للإرهاق والضَّرر، كما أنَّ تخفيف الأعباء عن الرَّجل بشكل غير ملائم قد يضيع طاقاته ويضعف دوره الاجتماعي؛ لذا، فإنَّ مراعاة هذه الفروق وتنظيم الواجبات بناءً عليها، هو أساس متين لضمان استقرار المجتمع وكفاءته، ويجسِّد حكمة الشَّريعة في وضع كلِّ شيءٍ في موضعه المناسب.

ومن هذا الفهم العميق لتكوين الإنسان وتنوّع احتياجاته، تتجلَّى عظمة الشَّريعة الإسلاميَّة في كونها لا تكتفي بتنظيم العلاقات والواجبات الظَّاهريَّة؛ وإنَّما تمتدُّ لتغذِّي الباطن وتسمو بالرُّوح، فتوجِّه المكلفين نحو النُّضج الفكري والعملي، وتفتح أمامهم سُبلًا متعدِّدة للسير في طريق الكمال.

إنَّ الشَّريعة الإسلاميَّة المباركة تسعى بجدٍّ وإتقان لأن ترشد المكلفين نحو بلوغ أعلى درجات الوعي الفكري والعملي، فتضع أمامهم مناهج متنوعة؛ منها ما هو عام ومنها ما يحمل خصوصيَّة في سبل القرب من الله (تعالى)؛ ومن بين هذه السُّبل العظيمة، تحتل زيارة سيِّد الشُّهداء الإمام الحسين (عليه السلام) مكانة متميِّزة؛ فهي تمثِّل طريقًا أكيدًا نحو الكمال المنشود؛ على اعتبار أنَّها تزوِّد الزَّائر بتجربة فريدة تحقق له المغفرة والرِّضوان الإلهي.

وقد ورد في الحديث الشَّريف عن الإمام أبي الحسن الرضا (عليه السلام) قوله: “مَن زارَ قَبرَ أبي عَبدِ اللّه ِ عليهِ السَّلامُ بِشَطِّ الفُراتِ كَمَن زارَ اللّه َ فَوقَ عَرشِهِ” ممَّا يدل على عظمة هذه الزِّيارة وما تحمله من أجر وثواب عظيمينِ. وعن بشير الدَّهَّان أنه قال: كُنتُ أحُجُّ في كُلِّ سَنَةٍ، فَأَبطَأتُ سَنَةً عَنِ الحَجِّ، فَلَمّا كانَ مِن قابِلٍ حَجَجتُ ودَخَلتُ عَلى أبي عَبدِ اللّه ِعليه السلام. فَقالَ لي: يا بَشيرُ، ما أبطَأَكَ عَنِ الحَجِّ في عامِنَا الماضي؟ قالَ: قُلتُ: جُعِلتُ فِداكَ، مالٌ كانَ لي عَلَى النَّاسِ خِفتُ ذَهابَهُ، غَيرَ أنّي عَرَّفتُ عِندَ قَبرِ الحُسَينِ عليه السلام.

قالَ: فَقالَ لي: ما فاتَكَ شَيءٌ مِمَّا كانَ فيهِ أهلُ المَوقِفِ، يا بَشيرُ، مَن زارَ قَبرَ الحُسَينِ عليه السلام عارِفًا بِحَقِّهِ كانَ كَمَن زارَ اللّه َ في عَرشِهِ” والأكثر من ذلك أنَّ بعض الرِّوايات الشَّريفة قد ركَّزت بشكل خاص على أهميَّة زيارة الإمام الحسين (عليه السلام) للمرأة، ممَّا يعكس مكانتها الخاصَّة وواجباتها التَّكليفيَّة في هذا الجانب؛ فقد ورد في رواية عن أحدهما [الباقر أو الصادق] (عليهما السَّلام): “يا زُرارَةُ! ما فِي الأَرضِ مُؤمِنَةٌ إلَّا وقَد وَجَبَ عَلَيها أن تُسعِدَ فاطِمَةَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيها في زِيارَةِ الحُسَينِ عليهِ السَّلام” وهذه دلالة واضحة على أنَّ الزِّيارة في بعض الأحيان قد تكون واجبة على المرأة المؤمنة، معززة بذلك مكانة المرأة ودورها في إحياء أمر أهل البيت (عليهم السلام)؛ ولذلك، فإنَّ هذا المقال سيُركِّز على تقديم أدلة قوَّية ومتينة من مصادر متنوعة تؤكِّد أنَّ استحباب الزِّيارة، أو ربما وجوبها في بعض النُّصوص، يشمل كلا الجنسين: الرِّجال والنِّساء على حدٍّ سواء. مستعرضة الأدلة التي تُثبت شموليَّة الخطاب التَّكليفي بزيارة الإمام الحسين (عليه السلام) لكافَّة المكلفين من غير استثناء:

حج المرأة من دون مَحْرَم

 اتَّفق فقهاء الإماميَّة، على عدم اشتراط وجود المَحرم في حج المرأة، سواء أكان الحج مندوبًا أم واجبًا، وهذا بخلاف ما ذهب إليه بعض فقهاء العامَّة الذين اشترطوا وجود المحرم في سفر المرأة مطلقًا، بما في ذلك الحج؛ وجعل بعضهم ذلك شرطًا لصحَّة أدائه.

وقد استند علماء الإماميَّة في هذا الحكم إلى جملة من الرِّوايات الصَّحيحة الصَّريحة في نفي هذا الاشتراط، ممَّا يدل بوضوح على استقلاليَّة المرأة المكلفة في أداء فريضة الحج أو نُسكه المندوب متى ما توفَّرت شروط الاستطاعة، من دون توقف على وجود مُرافق من ذوي المحارم.

وقد أورد الشيخ محمَّد بن الحسن الحر العاملي (رضوان الله تعالى عليه) في وسائل الشِّيعة طائفة من هذه الرِّوايات التي تُفنِّد هذا القيد وتُثبت الحكم على خلاف ما اشترطه غير الإماميَّة ومن بين هذه النُّصوص ما يدل صراحة على أنَّ المرأة إذا أمنت الطَّريق وكان الحج واجبًا عليها، فلا حاجة بها إلى المحرم؛ وفي الواقع تكون مأمورة بأداء الفريضة شأنها شأن الرَّجل، وذلك في انسجام تام مع قواعد التَّكليف الشَّرعي القائمة على المسؤوليَّة الفرديَّة والاستقلال في الواجبات متى ما تحققت شروطها الموضوعيَّة.

ومن أبرز الأدلة التي استند إليها فقهاء الإماميَّة في نفي اشتراط المحرم لحجِّ المرأة، سواء أكان الحج واجبًا أو مندوبًا، صحيحة صفوان الجمَّال: وهو فقيهٌ “حملدار” قال: قلت: لأبي عبدالله (عليه السلام) قد عرفتني بعملي، تأتني المرأة أعرفها بإسلامها وحبِّها إيَّاكم، وولايتها لكم، ليس لها مَحرم، قال: إذا جاءت المرأة المسلمة فاحملها، فإنَّ المؤمن من محرم المؤمنة، ثمَّ تلى هذه الآية: (وَالمُؤْمِنُونَ وَالمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ).

ومن الأدلَّة الصحيحة كذلك عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ عَمَّارٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّه (عليه السلام)، قَالَ: سَأَلْتُه عَنِ الْمَرْأَةِ تَخْرُجُ مَعَ غَيْرِ وَلِيٍّ. قَالَ: “لَا بَأْسَ فَإِنْ كَانَ لَهَا زَوْجٌ أَوِ ابْنُ أَخٍ قَادِرَيْنِ عَلَى أَنْ يَخْرُجَا مَعَهَا ولَيْسَ لَهَا سَعَةٌ فَلَا يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تَقْعُدَ ولَا يَنْبَغِي لَهُمْ أَنْ يَمْنَعُوهَا.

وهذه الرِّواية تمثِّل نصًا صريحًا في إبطال اشتراط وجود المحرم؛ وعلى العكس إنَّها تُدين مَن يمنع المرأة من أداء فريضة الحج بحجَّة غياب الولي، إن لم يكن هناك مانع شرعي أو مادِّي معتبر. ويُفهم من قوله (عليه السلام): “فلا ينبغي لها أن تقعد”، أنَّ التَّكليف الشَّرعي لا يسقط عن المرأة بمجرَّد عدم وجود محرم. ويبقى قائمًا ما دامت شروط الاستطاعة الأخرى متوفرة، ممَّا يُصنَّف ردًّا مباشرًا على رأي بعض القائلين بسقوط الوجوب في هذه الحالة. وغيرها من الرِّوايات الكثيرة في هذا الباب، وقد وضع فقهاء علماء الإماميَّة هذه المسألة في شرائط وجوب الحج.

وقد عنى فقهاء الإماميَّة بهذه المسألة اهتمامًا خاصًّا عند بحث شروط وجوب الحج، فضمُّوها باب الشَّرائط الموضوعيَّة المُنظِّم لأداء الفريضة. ولعلَّ الدَّليل العملي الأبرز على صحَّة هذا الموقف الشَّرعي يظهر جليًّا في الواقع المُعاش؛ إذ لا تزال حشود المعتمرين والحجاج من الرِّجال والنِّساء تختلط في صحن المسجد الحرام عند الطَّواف. وتنام أعداد كبيرة منهم في عراءٍ صحراويٍّ مكشوف في مزدلفة ليلًا، من دون أن يُشترط وجود محرم لكلِّ امرأة لتؤدِّي هذه المناسك، ولا يتأثَّر انتظام الحج أو سلامة حركة الحجيج بغياب هذا الشَّرط. وهذا الواقع يُثبت صحَّة الروايات ويؤكِّد شمولها في بيان الأحكام، كما يُظهر بوضوح حكمة الشَّريعة في مراعاة أحوال المكلَّفين وتسهيل سُبل العبادة لهم، ما دامت الطُّرق آمنة ووسائل السَّلامة متوفِّرة.

فإذا كان ذلك جائزًا في الحج، وهو أحد أركان الإسلام، فإنَّه في زيارة الأربعين -وهي شعيرة حبٍّ وولاء لا تقل أثرًا في تربيَّة وتهذيب النَّفس- أولى بالجواز، ما دامت المرأة تراعي حجابها وعفافها، وتسير في ظلِّ مجتمع مؤمن يُجسِّد ولاية المؤمنين والمؤمنات لبعضهم بعضًا.

إنَّ المرأة التي تمضي في طريق الإمام الحسين (عليه السلام)، ليست خارجة عن وظيفتها الفطريَّة، وإنَّما هي تسير في خطِّ الكمال الإنساني، وتترجم عاطفتها الصَّادقة نحو إمامها (عليه السلام) إلى فعلٍ تعبُّديٍّ راقٍ، يعمِّق وعيها، ويُصقل إيمانها، ويجعل من زيارتها محطَّة ارتقاء لا انكسار؛ لذلك، من الظُّلم أن نضع العوائق باسم الغيرة أو الحذر، وننسى أنَّ الشَّريعة قد جعلت للمرأة باب القرب مفتوحًا، وجعلت لها في ركاب أبي عبدالله الحسين (عليه السلام) مكانًا، يليق بعزِّها، ويُناسب فطرتها، ويُكرِّس تكاملها مع الرَّجل.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى