اخر الأخباراوراق المراقب

النخبة والبناء الواعي للأمة.. النهضة الحسينية أنموذجًا

باسم حسين الزيدي..

منذ بزوغ فجر التأريخ الإنساني، شَكَّلَ العديدُ من المحطات الكبرى منطلقا لتحولات فكرية وثقافية واجتماعية عميقة، وكان وراء كل نهضة نخبة واعية أدركت أبعاد الصراع بين الحق والباطل، الخير والشر، التوحيد والشرك، الحضارة والجاهلية.

وقد تحملت هذه النخبة مسؤولية التغيير أو الاصلاح في أكثر فترات التأريخ حساسية، لأنهم آمنوا بقضيتهم العادلة، وصبروا على كل المحن في سبيل تحقيق ما يصبون اليه، كما في قوله تعالى: (نَّحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُم بِالْحَقِّ ۚ إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى، وَرَبَطْنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَن نَّدْعُوَ مِن دُونِهِ إِلَٰهًا ۖ لَّقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا).

هذه التحولات هي فاصل إنساني وحضاري مميز يفصل زمان الحدث عما قبله، وكذلك المكان، لأنه عمل خارج سياقات الزمكان، وخارج حدود الربح والخسارة او المصلحة وغيرها من القيم الذائبة بفعل عوامل التعرية الزمكانية، ولأنها افعال تصنع التأريخ والفكر والحضارة، وترسم منهاجا قويما يمثل معنى الانسانية الحقيقي استمراراً وخلوداً.

تُعد النهضة الحسينية النموذج الأبرز لمفهوم التحولات الكبرى عبر التأريخ الانساني والاسلامي، وهي النموذج الاكثر وضوحاً وتأثيراً لمفهوم “النخبة النهضوية”، حين خرج الامام الحسين بن علي (عليهما السلام) مع ثلة قليلة من اهل بيته (عليهم السلام) واصحابه الذين تم اختيارهم بعناية ودراية، حيث تجلت أدوار هذه النخبة في صناعة الوعي، ورفض الاستبداد، وتوجيه الامة الاسلامية والانسانية نحو قيم العدل والكرامة.

إن دور النخبة النهضوية في بناء الأمة الواعية التي جسدتها النهضة الحسينية بكل تفاصيلها، تُعتبر أنموذجا أصيلا يمكن فهمه في ضوء القرآن الكريم وسيرة أهل البيت (عليهم السلام)، حيث التركيز على دروس يوم عاشوراء كنموذج عملي لهذا المفهوم، منذ انطلاقها وصولًا إلى حياتنا المعاصرة من أجل الاستفادة من هذه النهضة الخالدة.

إن النخبة المقصودة هنا في سياق النهضة لا تفهم بمعناها “النخبوي” الذي يفصلها عن الجماهير، بل بوصفها مجموعة من الأفراد يتميزون بالوعي والبصيرة والقدرة على اتخاذ القرار وتصحيح المسار للعودة الى جادة الصواب والحق في لحظات الانهيار العام، يقول تعالى: (الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ).

إن البناء الواعي هو بناء يقوم على أسس معرفية وأخلاقية تحرر الإنسان من الجهل والتبعية والعبودية، وتدفعه نحو فهم مسؤولياته الانسانية والرسالية، وهو عكس البناء القائم على الانقياد الأعمى والانفعالات العابرة، كما في قول أمير المؤمنين (ع): “أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّمَا يَجْمَعُ النَّاسَ الرِّضَا وَالسُّخْطُ، وَإِنَّمَا عَقَرَ نَاقَةَ اللَّهِ وَاحِدٌ فَعَمَّهُمُ اللَّهُ بِالْعَذَابِ”، وهي مصداق لقوله تعالى: (فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ ۚ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ).

النخبة في مشروع الإمام الحسين (عليه السلام)

صحيح أن أصحاب الإمام الحسين (عليه السلام) قلة من حيث العدد، لكنهم شكلوا نخبة فكرية وأخلاقية تحملت مسؤولية النهضة التي ستغير بأفعالها واقوالها الزمان والمكان، وستكتب التأريخ خارج سياقات التأريخ نفسه، وهي نخبه لديها الاستعداد الروحي والفكري للتفاعل والتأثير، حتى قال الإمام الحسين (عليه السلام) عنهم: “فإني لا أعلم أصحابًا أوفى ولا خيرًا من أصحابي”.

هذه النخبة توحدت في عدد من المعايير المشتركة لعل أبرزها:

الوعي العقائدي: فهم طبيعة المعركة بين الايمان والخير والحق وكرامة الانسان ونقيضه، من دون الالتفات الى الحسابات الدنيوية القائمة على الربح والخسارة الآنية.

الثبات الأخلاقي: رفض الانحراف مهما كان الثمن الذي سيقدم، فالثبات على المبدأ في لحظة من الزمن يمكن أن ينير درب أجيال قادمة.

الاستعداد للتضحية: حيث رفعوا شعارهم “لن نتركك يا أبا عبد الله” لانهم آمنوا بما امن به الحسين (عليه السلام) ومضوا على بصيرة من امرهم بعد ان عرفوا الهدف السامي الذي ضحوا من اجله، كما في قوله تعالى: (مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ).

من مميزات النخبة في النهضة الحسينية أنها لم تكن محصورة بالرجال فقط، بل لعبت النساء، كالسيدة زينب بنت امير المؤمنين (عليهما السلام)، دورا محوريا عظيماً وشاملاً في ترسيخ معاني النهضة، وحفظ الرسالة، وتثبيت الحق وتمييزه، وبناء الوعي بعد المعركة، حتى انها اذهلت الطاغية يزيد في مجلسه ببعد ان أراد التشفي منها بقتل إخوتها وبنيها واهل بيتها حين قالت: “ما رأيتُ إلا جميلًا”.

أدوات النخبة في بناء الوعي:

1. الخطاب الواعي: إن الإمام الحسين (عليه السلام) لم يبدأ حركته بحد السيف، ولم يبدأ بقتال القوم الا مضطراً، بل بدأها بالنصح بالكلمة والخطبة والرسالة، في أكثر من موقف هو واهل بيته واصحابه، ولم يقصر في نصحهم وهدايتهم حتى الرمق الاخير من حياته.

2. الرفض العملي للاستبداد: إن نهضة الإمام الحسين (عليه السلام) كانت رفضا عمليا لتزييف الدين ولبس الحقائق من قبل الحكم الأموي الذي جسد الشر والاستبداد وامتهان كرامة الانسان، ولم يكتفِ بالرفض الشكلي بل حاول استنهاض الامة لمواجهة الانكسار الذي اصابها بعد ان رفع شعار: “إنما خرجت لطلب الإصلاح في أمة جدي محمد (صلى الله عليه وآله)”.

3. بناء الهوية الجمعية عبر الشعائر: استخدمت الشعائر كوسيلة تربوية لتثبيت قيم النهضة وبناء هوية مقاومة الظلم والاستبداد والتبعية وسلب حقوق وكرامة الانسان، في امتداد واضح لدور النخبة النهضوية التي مَهَّدتِ الطريق لاستمرار صوت الحق في رفض الباطل ومقاومته في كل زمان ومكان، لذلك جاء التركيز على إحياء هذا الامر من اجل ديمومة الشعلة التي تحيي النفوس وتُبقي الارواح والضمائر حية مهما تعرضت للظلم والاستبداد، حيث يقول الإمام الصادق (عليه السلام): “أحيوا أمرنا، رحم الله من أحيا أمرنا”.

البناء الواعي للأمة

كان الواقع الإسلامي في زمن يزيد يعاني حالة غياب الوعي السياسي والديني والوازع الاخلاقي، ما سمح للطغيان أن يتغلغل في جسد الأمة الاسلامية، كما فعل الطواغيت في كل عصر لقوله تعالى: (فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ).

حتى جاءت لحظة استشهاد الإمام الحسين (عليه السلام)، اللحظة التي فجرت ضمير الأمة، وحركت المشاعر نحو مراجعة شاملة للذات والتأريخ، وكانت لها ارتدادات كبيرة غيرت مسارات تأريخية كثيرة، حتى أصبحت عاشوراء محطة اساسية لتجديد الوعي، وتعميق الفهم، سيما أن هذا النوع من “التعليم المستمر” الذي تبنيه النخبة الواعية لا ينتهي او ينطفئ مع تقادم الزمان.

لكن في ظل التحديات المعاصرة مثل الحداثة وما بعدها، والعولمة، والفساد وغيرها، تبرز الحاجة إلى الوعي بأهمية القيم التي جسدتها هذه النخب التي تجمع بين الأصالة والوعي، فكما كان الخطاب الحسيني في عاشوراء أداة وعي، فإن منابر اليوم (الفضائيات، وسائل التواصل، المنبر الحسيني) يجب أن تقوم بذات الدور، كما لا يمكن الاكتفاء بالنخبة، بل ينبغي أن تنتقل الروح النهضوية إلى عموم الأمة، ليصبح كل فرد مشاركا في مشروع التغيير.

الاستنتاجات

1. النهضة لا تُبنى بالأعداد او الاموال او الإجبار والاستعباد، بل بالبصيرة والوعي والصبر والاستعداد لطرح مشروع الاصلاح والسير في طريقة.

2. النخبة الواعية ليست طبقة منعزلة عن هموم واحتياجات عامة الناس، بل هي في طليعة المسؤولية، حيث تتقدم الصفوف لتخدم مشروع الوعي والاصلاح.

3. الوعي الجمعي لا يُفرض بالعنف او القوة بل يبنى عبر الحوار وصنع القدوة والتضحية والفداء من اجل تحقيق الاهداف السامية.

4. استمرارية النهضة تتطلب صنع المزيد من النخب الواعية في كل زمان، حيث تستمر معركة الحق ضد الباطل.

5. الإعلام والشعائر أدوات فاعلة إن أحسن توجيهها، اذ ينبغي النظر في وظيفة المنبر والخطاب الديني على أنهما من اهم ادوات صنع النخب والمحافظة على ديمومة زخم الاصلاح.

إن النهضة الحسينية لم تكن حدثا عابرا، بل مشروعا متجددا لصناعة الإنسان الحر المقاوم للظلم والمحافظ على كرامته الانسانية، وأخلاقه من الانحراف مع موجات الانحلال والفساد، وقد أثبتت التجربة أن النخبة الواعية قادرة، بصدقها وثباتها، على بناء أمة واعية تعرف الحق، وتواجه الباطل، وتتحمل مسؤولياتها الأخلاقية والدينية.

 ومن هذا المنطلق، فإن يوم عاشوراء ليس يوماً للذكرى فحسب، بل دعوة دائمة للتفكر والعودة إلى جوهر الإسلام، والكرامة الانسانية، كما أراده الإمام الحسين (عليه السلام): دينا حيًّا، لا تُدنِّسُهُ السلطة الظالمة، ولا يحرفه طغيان السلطة وفسادها.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى