اخر الأخباراوراق المراقب

العقيلة زينب.. امرأة دافعت عن العالم كله

محمد علي جواد تقي..

“فَوَ الَّذِي شَرَّفَنَا بِالْوَحْيِ وَالْكِتَابِ وَالنُّبُوَّةِ وَالِانْتِجَابِ، لَا تُدْرِكُ أَمَدَنَا وَلَا تَبْلُغُ غَايَتَنَا وَلَا تَمْحُو ذِكْرَنَا”.. من خطبة السيدة زينب “ع” في مجلس يزيد بالشام.

من الصعب جداً تصوّر الطريقة التي تعامل بها جُند عمر بن سعد مع نساء الإمام الحسين “عليه السلام” بعد انتهاء المعركة وحرق الخيام وتسيير قافلة السبي باتجاه الكوفة.

مما كان يعتزّ به العرب آنذاك، تقليد ورثوه من الجاهلية يقضي بسبي نساء المعسكر المغلوب، وتحويلهم الى عبيد أو يبادلوهم بفدية من أحد الأقرباء، وفي عهد الإسلام الذي وفّر للعرب العزّ والشموخ في ظل دولة حضارية، علّم رسول الله المسلمين به بأن لا سبي للنساء حتى للمشركات، مثل سفانة بنت حاتم الطائي التي أطلق النبي سراحها كرامة لأبيها، ثم زاد في إكرامها بإطلاق سراح جميع ابناء قومها من طي، بيد أن أدعياء الإسلام من دعاة “الخلافة” لرسول الله، فعلوا بخلاف عمله مع بناته هو، “صلى الله عليه وآله” ولذا فإن التأريخ يسكت إزاء أعمال الضرب والزجر والترويع لبنات الرسالة، وفي طليعتهنّ؛ العقيلة زينب ابنة أمير المؤمنين “عليهما السلام”، أمام وضع مؤلم وقاسٍ غير قابل للوصف، بماذا كانت العقيلة تفكر في تلك اللحظات العصيبة؟.

هل كانت تفكر كامرأة مجروحة في كرامتها، باحثة عن شخصيتها وذاتها بعد استشهاد الرجال؟ أو ربما تفكر بأن تأخذ دور الرجل بعد استشهاد أخيها الإمام الحسين “عليه السلام”؟.

هل بكت زينب؟! أم انها كانت تفكر بما آل اليه أمر الأمة، من شيوع البغي والطغيان والانحراف والتضليل والظلم، وهي رذائل تجسدت كلها يوم عاشوراء.

الرؤية الشمولية

من مساحة المعركة المحدودة في البقعة الصغيرة من صحراء كربلاء الى رحاب الزمن والأجيال والتأريخ، تجاوزت السيدة زينب مشاعرها الأنثوية المحدودة، لتتحول الى جبلٍ من الصبر أمام الأعداء، فهي لم تذرف الدمع قط لما أصابها من آلام المواجهة، سوى تلك الدموع السُخنة على سيد الشهداء المسجّى على الأرض، ذبيحاً سليباً عطشاناً، قد رضّت صدره الخيول، وهو تقليد جاهلي آخر يعتزّ به اتباع بني أمية.

وبذلك تكون قد التزمت بوصية أخيها الإمام الحسين، بأن “لا تشقى عليّ جيبا، ولا تخمشي عليّ وجها، ولا تدعي عليّ بالويل والثبور إذا أنا هلكت”، يروي الإمام السجاد، عليه السلام، وهي وصية قائد الى من ينوب عنه في المرحلة القادمة من المواجهة، فهي لم تتحلّ برباطة الجأش وحسب، بل هاجمت عمر بن سعد بإدانة مدوية أمام العسكر بأن “أي عمر أيقتل أبو عبد الله وأنت تنظر اليه”، فجعلته يهوي من كبريائه الخاوي وانتصاره الزائف وسط الأشلاء والدماء، ويطأطئ رأسه الى الأرض.

وفي خطوة قيادية أخرى اقتربت العقيلة من جثمان الإمام الحسين وضعت يدها تحته في إشارة الى نيتها لحمله نحو السماء وهي تقول: “اللهم تقبّل هذا القربان من آل محمد”.

كم تحتاج المرأة لطاقة داخلية تمكنها من اتخاذ موقف كهذا مع أخ أو زوج أو أب أو ابن في معركة غير متكافئة وظالمة؟.

لأن العقيلة زينب خرجت من إطارها الأنثوي المحدود الى رحاب المسؤولية الرسالية برؤيتها الشمولية للحدث والموقف، فهي في هذه اللحظات تحولت الى قائد عملي للمسيرة الى جانب ابن أخيها الإمام السجاد، وهو الإمام المعصوم، والمفترض الطاعة منها ومن جميع المؤمنين والمؤمنات، إنما بسبب علّته وصعوبة حركته، فان مسؤولية متابعة الأيتام والأرامل، ومواجهة الشامتين والناصبين العداء لأهل بيت رسول الله، وكل أشكال الضغوط النفسية، كانت ملقاة على عاتقها هي فقط، وهي “العالمة غير المُعلمة”، بشهادة الإمام السجاد، ولذا قيل في حقها – وهو قليل – بأن للسيدة زينب فضلاً كبيراً في إبقاء جذوة النهضة الحسينية متقدة في النفوس والأجيال طيلة أربعة عشر قرناً، وما تزال.

الدور المكمل للرجل

كانت زينب كما أراد لها الإمام الحسين، وكما أراد من قبل، أبوها أمير المؤمنين، فهي مهمة ومسؤولية معهودة لها في السماء؛ “شاء الله أن يراهنّ سبايا”، يقول الإمام الحسين في جوابه على دعوات عدم اصطحاب نسائه الى الكوفة، فقد كان عليها معالجة التصدّعات في كيان الأمة، من السلوك الفردي، والأخلاق الاجتماعية، وحتى السياسات العامة للزعيم والحاكم، لتحقق نجاحها الباهر في تكملة مشروع الإصلاح الحسيني من خلال ثلاث خطوات – من جملة خطوات- اتبعتها العقيلة خلال مسيرة السبي لتحوله من علامة للهزيمة العسكرية كما أراد الأمويون الى وسيلة للانتصار كما هي الإرادة الإلهية.

  1.  جلد الذات والدعوة للتغيير الشامل

دعت العقيلة أهل الكوفة أن يبكوا كثيراً ويضحكوا قليلا، في خطبتها القارعة والمنددة لهم ولخذلانهم، وذكرتهم بأنهم بمشاركتهم في قتل الإمام الحسين “عليه السلام” إنما وجهوا سهامهم الى رسول الله “صلى الله عليه وآله”.

ولنا وقفة تأمّل في كلماتها القاسية، وهي تراهم يبكون أمامها: “يا أهل الكوفة! يا أهل الكوفة، يا أهل الختل والغدر، أتبكون؟! فلا رقأت الدمعة، ولا هدأت الرنة، إنّما مثلكم كمثل التي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثاً، تتّخذون أيمانكم دخلاً بينكم، ألا وهل فيكم إلا الصلف النطف؟ والصدر الشنف؟ وملق الإماء؟ وغمز الأعداء؟ أو كمرعى على دمنة؟ أو كفضة على ملحودة؟ ألا ساء ما قدمت لكم أنفسكم أن سخط الله عليكم وفي العذاب أنتم خالدون”، فأهل الكوفة لم يرو في هذا التقريع سُبّة لهم، بل وجدوا فيه استحقاقهم، فاذا لم تكن لتلك الكلمات تأثير مباشر على الحاضرين من المشاركين في جيش ابن سعد، فإنها تنتقل من الأفواه الى الأطفال والشباب ليكونوا فيما بعد جنوداً في الانتفاضات التي انطلقت من الكوفة في السنوات التالية ضد الحكام الأمويين والعباسيين على خطى النهضة الحسينية.

  •  فضح الشرعية المزيفة للسلطة في الكوفة والشام

طالما يستخدم الطغاة سياسة الترغيب والتهديد لتسيير الشعوب صوب سياساتهم وأحكامهم الجائرة، وهو الجدار الآمن والفاصل بين الحاكم وبين غضب الناس واحتمال انفجارهم بأية لحظة وعي، فجاءت العقيلة زينب، وهي في تلك الحالة الصعبة على أية امرأة في العالم، لتدمر هذا الجدار أمام طغاة مثل عبيد الله بن زياد في قصر الإمارة بالكوفة، وأمام يزيد في قصره بالشام، ففي ردّها على تشفّي ابن زياد بمقتل الامام الحسين تحت ستار الدين: “كيف رأيت صنع الله بأهل بيتك؟! فقالت: “ما رأيتُ إلّا جميلاً، هؤلاء قومٌ كتب الله عليهم القتال، فبرزوا إلى مضاجعهم، وسيجمع الله بينك وبينهم فتحاجّ وتُختصم، فانظر لمن الفلجُ يومئذٍ، ثكلتك أمّك يابن مرجانة”.

البكاء لغة الاعتراض

يعتقد البعض، أن بكاء المظلوم مدعاة للضعف والهوان أمام الظالم، إنما يجب اللجوء الى العنف المضاد فوراً والرد بالمثل، بغض النظر عن النتائج، بينما منطق العقل يدعونا الى الاستعداد الكامل من النواحي كافة لخوض معركة الردّ، وهو ما نجحت فيه العقيلة زينب، ومعها الإمام السجاد فيما بعد واقعة عاشوراء، عندما عبئوا النفوس ضد الظلم والطغيان، بعد تليينها بدموع الأسى والألم على مصاب الإمام الحسين، وأهل بيته.

ولتكن زينب ابنة أمير المؤمنين، المرأة المِثال في مواجهة المشاكل وتحدي الأزمات التي يعيشها العالم اليوم، بل وفي معالجتها، واقتراح البدائل لحياة أفضل للمرأة نفسها، ولجميع أفراد المجتمع.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى