اخر الأخبار

فقه الدولة وأبعاده العالمية

655

عندما يطرق الباحث بوابة المعرفة قد يدور في متاهات التراكم الفكري والمعرفي, والذي قد يحصره في زاوية لم يكن يدرك أنها أبعد ما تكون عن أهدافه ومدركاته، ولعل هذا لا ينحصر في دائرة الفرد الباحث بل قد ينسحب ذلك إلى عقول جملة من روّاد المعرفة والعلم، إنْ لم يكن من سدنتها، إلا أنّ بريق الإبداع يبقى يرسم من خلال سطوته المعرفية والعلمية ملامح من يستطيع أن يغيّر دفّة المعرفة نحو توظيف أعلى لمعطيات العلم.
إنّ محور تطوّر المعرفة, وتوظيف العلم لا ينحصر في دائرة التراث المدوّن أو الموروث وكيفية حفظه وإخراجه بأجمل صورة فنية ! وإنما يتشخّص بإنجازات المتعاطي معها؛ وهذا ما نجده متداولاً اليوم في العلوم التقنية والتكنولوجية، إلا أنّ الغمامة التي تلفّ واقعنا هي صعوبة التمييز بين الإبداع وما يشبهه أو ما يغايره, خصوصاً في العلوم الإنسانية ما يجعلنا لا ندرك أننا أمام عقول نعاصرها وضعت لنا ملامح أحد آفاق الإبداع وأنجزت بإبداعاتها أسساً لذلك.
وحتى لا تتيه الأفكار في دائرة تشعّبات وأنواع هذه العلوم لاسيما الاعتبارية منها, لذا لا بد أن نقف عند بوابة علم يعدّ من أهم العلوم التي ترسم دائرة حدود التشريع بين التلقّي والتطبيق, وهو العلم الذي يهيّئ ويضع آليات التشريع على مستوى دائرة التكليف.
إنّ علم الفقه الذي يُشكّل الدائرة التي نعيش فيها مسلمين, لذا يجب أن يوظف بشكل يتناسب ويتجانس مع متطلّبات الواقع, فلابد أن نعيش الوعي في كل آن مع استيعاب تام وإدراك عملي وعلمي لملامح السعة والضيق وما تفرزه لنا من نتائج آنية ومستقبلية، من هنا لابد أن تكون هذه الخطوط تحت دائرة البحث المستمر والتوظيف العلمي الدؤوب.
ولكي نستعرض أهم القواعد نعرض ثلاثة أضلاع يتشكّل منها مثلث القانون, ولنا أن نعبّر عنه مثلث التشريع, إنْ جاز لنا مثل هذا التعبير, حيث تُعرض هذه الأضلاع الثلاثة في البحوث والدراسات المتعلّقة بفلسفة القانون, وهي كما يلي: (العدالة، الأمن والاستقرار، التقدّم والازدهار).
هذه الأضلاع هي التي تعطي تشخيصاً واضحاً لمتطلبات التشريع, ومدى فاعليته, وطبيعة حاجاته فهي مقياس يستخدمه روّاد فلسفة القانون وفقهاؤه لقياس مدى ملاءمة صلاحية هذا التشريع أو ذاك لمتطلبات من وضع له وزمان ومكان تطبيقه.
نظرية ولاية الفقيه تتخطى أفق فقه الولاية
لكي نقترب أكثر إلى تطبيقات هذه النظرية سوف نعرج أولاً إلى مفهوم فقه الدولة, والذي يتفرّع من خلاله فقه يغطي دوائر قد تتجاوز فقه المعاملات وفقه العبادات من خلال التطبيق, حيث نجد فقه الاقتصاد وفقه العلاقات الدولية والفقه الجنائي وفقهاً يتناول المجتمع وفقهاً يتناول الفرد وفقه الإدارة, ولعل هذه التسميات أولية, إلا أنها بدأت تضغط بشكل أو بآخر على المادة الفقهية والتشريعات المتداولة؛ سواء بجزئيات مسائلها أم ما هو أوسع من ذلك.
إن الدعوة إلى تشخيص مفهوم أوسع لنظرية الدولة يتجاوز المفهوم المرحلي السائد لمفهوم الدولة والغائب الحاضر بطبيعته عن البعد التشريعي والمنطلق على أسس الرؤية الإسلامية من هنا نظرية ولاية الفقيه تشكل الصيغة الأكثر تطوراً والأحدث تطبيقاً لمفهوم الدولة على مستوى المدارس الفقهية الإسلامية أو على مستوى التشريعات المتداولة من عالمنا الإسلامي.
إنّ معطيات علم الفقه عند تعاطيها مع التشريع المتعلّق بمفهوم الدولة وما تشكلّه من كيان محلي أو إقليمي أو دولي تميل في رسم تشريعاتها نحو دائرة الفرد بصورة مركّزة, حتى اختزلت في طيات بحثها وتشعّباتها تشريعات لم تنل النصيب الكافي من البحث, كما نالت تلك؛ مما يدعونا إلى قراءة واضحة, وتحديد دقيق لدوائر البحث, وفرز مجدول لسُلّم أولوياته النظرية والعملية, ولعل هذه المبادرة بدأت عملياً في الحركة العلمية للإمام الراحل روح الله الخميني (رضوان الله عليه) في أطروحته التي تناول بها نظرية ولاية الفقيه,والتي ينبغي لنا أن نقرأها من جديد وفق قراءة علمية دقيقة تتوازى مع الواقع العملي.
إنّ هذه النظرية من خلال ما نرصده من واقعها, ومن كلمات مُشيّد حركتها تتماشى مع الرؤية العقلانية التي ترسمها فلسفة القانون وفقهه, إذ إنها تتعاطى مع الفرد بدولته والدولة بأفرادها من خلال علاقة تبادلية ترسم نوعية وآلية الحركة المتصورة لكل منهما مع الآخر, وما يقدّمه كلا الطرفين للآخر, والذي يولد بطبيعة الحال مخرجات دقيقة تلبّي حاجتنا المتنامية لتوظيف أوسع في بقاعنا لفقه الدولة.
إنّ هذه النظرية فيما لو نظر إليها بعيني المنهجية الواعية والموضوعية المدركة, سوف نحصل على نتائج ترسم لنا معطيات رئيسة وتحليلات جادّة, نحو الآلية والتطبيق المزمع وضعه لتشريع على مستوى يتحرر من دائرة الفرد, مع عدم إهمالها له, وإنما إعطاؤه ما يتناسب مع فرديته وطبيعة دوره من دون إهمال أو تقصير في حقّه العلمي والعملي, وكذلك الدوائر الأوسع التي تتعاطى معه ويتعاطى معها اتساعاً وضيقاً, وعلى ضوء هذا تتشكّل أمامنا نظرية الواقع في الفقه والتي تتمازج فيها نتائج كل من:
فقه الواقع وواقع الفقه
ونستطيع أيضاً أن ندرك عندنا حدود الثابت والمتغيّر في الفقه, والتي تتسع لتشمل التشريع. كل هذه الموضوعات لابد أن تخضع لعمليات علمية ذات طابع مجهري إن صحّ التعبير؛ لكي نعي أبعاد ما نمتلكه من تراث إحدى جواهره نظرية فقه الدولة بأبعادها على مستوى التشريع.
إنّ نظرية ولاية الفقيه لا تمثّل ترفاً علمياً أو إثباتاً لنحوٍ من أنحاء المناقشات العلمية المتداولة في دائرة من دوائر البحوث الفقهية, والتي قد يحصرها البعض بزاوية ضيّقة لا تتجاوز القول ورده أو دائرة خلافية المسألة، لقد حاول البعض إيجاد منعكس له على مستوى الرؤية العلمية والمعرفية بشكل يختزل معه الأبعاد التشريعية لها, لذا نظرية ولاية الفقيه تحمل تركيزاً وتوظيفاً عاليين في حرفيتهما ومهنيتهما العلمية والمعرفية لمعطيات العلم لبناء معرفة اجتماعية وواقعية واضحة لعالمية هذا التشريع, ورسم أبعاده الإقليمية والدولية, خصوصاً إذا لاحظنا أن (العالم الإسلامي حتى ما قبل انبثاق الثورة الإسلامية العظيمة لم يجرب نظاماً مستنداً إلى تعاليم الإسلام فكانت هذه الثورة تتجه على خطى الأئمة عليهم السلام تماماً).
إنّ نظرية ولاية الفقيه وضعت بذرة عالية الجودة عند الاعتناء بها, وتوظيفها العلمي نحو بناء متكامل لنظرية تتجسّد من خلالها حركة التشريع سواء على مستوى علم الفقه أم أوسع من ذلك نحو البعد المتجاوز لدائرية الفرد بشكل تلقائي والمحقق للتمازج الطبيعي لتفاعل هذا العلم ومتلقّيه مع مجتمعه ودائرته المحلية, وعودة منهجية وموضوعية وبآفاق تتعاطى مع روح الشريعة, لأبعاد الأحكام الأولية, وفَهْم وفق رؤى زمانية ومكانية لهذه النصوص الخالدة والتي عاصرت قرنين ونصف من الزمان, تعطينا رؤية واضحة ودقيقة لتقلّبات الأزمنة والأمكنة مع امتياز وجود البعد المعصوم (عليه السلام) في توظيفها.
نحن أمام دائرة لابد من أن تطرق بشكل علمي جاد ومعرفي متقن, ينظر لجميع زوايا المنظومة التشريعية بأبعادها المحلية والإقليمية والدولية المولّدة في مستقبلها للعالمية.
إنّ وضع هذه النظرية على مستوى عال من المهنيّة في ميادين الاستنباط الفقهي, مع الحرص على عدم تجاوز الدائرة الأوسع في الاستنباط التشريعي, من هنا لابد من دعوة لكل باحث جاد ومتميّز أن يبدأ بقراءة هذه النظرية بآفاقها, ومن داخل منظومتنا التشريعية, التي كانت نَصْبَ عيني الإمام الراحل (قدس سره), من خلال ما نستشفه من أقواله وأفعاله وأهدافه من هذه النظرية التي تمهّد للدولة العالمية؛ فلابد من فَهْم لآفاق هذه النظرية وهذه الرؤية وفق ما وُجِدت له, ولعل نظرة خاطفة إلى أحاديثه (قدس سره) تكشف ذلك لاسيما في السنوات التي كانت قريبة من رحيله رضوان الله عليه وخلوده في وجداننا.
إنْ كان لنا مجال للقول نقول: لابدّ لمؤسستنا العلمية أن تضع في اُفقها المعرفي جدولة علمية جادّة التطوير, وتطبيق آلياتها العلمية على وفق معطيات هذه النظرية, وكل ما يخدم الأبعاد العليا والرئيسة لهذا الدين الخاتم على مستوى عال من البحوث والدراسات المحكمة, متجاوزة بذلك دائرة الأفق المتعارف والتحقيق المدرسي، إذ لابد لنا من السعي نحو التزاوج ولربما والتمازج الموضوعي والمنهجي مع تطوّرات العصر ومقتضياته الزمانية والمكانية, عبر تأصيل وتوظيف كمّي وكيفي دقيق لمتطلبات الجديد, وغمره بكنوز تراثنا واجتهادات الأفذاذ من أعلامنا المبدعين لتحقيق أبعاد التشريع الذي أرساه خاتم الأنبياء محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) وتَسَلْسَل في حفظه وتوظيفه أئمة آل البيت (عليهم السلام) على مدى قرنين ونصف مع تلوّن الزمان والمكان, حتى تسلّم الأعلام من سلفنا الصالح وأعلامنا المعاصرين استنباط أحكامه على مستوى علم الفقه, وتوظيفها في دائرة الفرد والمجتمع, والتي على مستوى أبعادها استفاد منها بل وطوّر جزءاً منها مَنْ هم خارج دائرة هذا الفقه, لذا لزاماً علينا أن ندرك أين نحن من هذا التشريع, وأين هو منّا حتى ندرك مدى وضوح صورته أمامنا على مستوى علم الفقه أو غيره, عندها نعي مدى تجسيدنا له في دائرته المحلية وآفاقه الداخلية, وكذلك رؤيته العالمية. حتى ننطلق به نحو موقعه المتكامل, الذي لابدّ أن يُكوّن على منصة التشريعات العالمية؛ لكي نقرع أبواب محطّات القرار الدولي والمنظمات العالمية ومراكز القانون الدولي بكل ثقة وجدارة ومهنيّة.
إنّ ما أنجزه الإمام الراحل (قدس سره) ما هو إلا تطبيق عملي ومصداق حقيقي للنهوض بهذا التشريع من خلال بوابة علم الفقه نحو آفاقه الحقيقية والتي أثبتت بصورة جليّة في دائرته التطبيقية على مستوى الدولة,ولو في مراحلها التطبيقية الساعية للاكتمال نحو المحلية, والتي أثبتت وجود استعدادات عالية تدعو للتكامل والانتقال من البعد المحلي إلى البعد الإقليمي, حتى ننطلق به إلى الأبعاد الدولية, التي تكون رقعة واضحة لرسم العالمية.
من جميل ما يذكر في هذا المقام ما أورده الشهيد الصدر (رضوان الله عليه) قائلاً: “إنّ ما نشعر بالحاجة إليه وبضرورته في الفقه الإسلامي ليس هو فقط أن نغيّر من لغة التعبير, أو أن نغير من الورق الذي نطبعه عليه, أو أن نستبدل المطابع الحجرية بمطابع الحروف، بل لابد من اتخاذ علمية تطوير في البناء الفقهي نفسه، لابد من توسيع فقهي في هذا البناء.
هذا الانكماش في الأبعاد الفقهية لابد من القضاء عليه، لابد وأن نعطي الإسلام في الفقه صورة.. هذه الصورة تكون على مستوى العالم الحديث، ولا أقصد أنها على مستوى العالم الحديث أي أنها على مستوى اللغة والتعبير، أو في الطبع على الورق الأبيض أو بمطابع الحروف، بل أقصد بذلك أنها على مستوى حاجات هذا العالم”.ومن هنا نفهم هذه الصيحات المتعالية من السيد القائد (دام ظله) حول تطوير الحوزات العلمية وتدشين المناهج التي تتناسب مع متطلبات الزمان والمكان، ولعل عجلة الحركة المنهجية والموضوعية نحو ذلك بدأت ببادرة عملية قادها إمامنا الراحل (قدس سره) نحو نظريته في فقه الدولة, والتي تتعطّش لأبعادها العالمية وحمل اللواء من بعده الإمام القائد الخامنئي (دام ظله).

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى