ثقافية

ملل

604

إحسان عبد الكريم عناد

كلما أضعُ يدي على قبضةِ البابِ صباحاً يغادرني المكانُ ويفلتُ الزمنُ من ساعةِ يدي اليسرى راكضاً قبلي. اقبضُ بإحكامٍ على مقودِ السيارةِ التي تصلُ بي إلى ساحةِ (كنغزبيري) أدورُ فيها دورةً كاملةً.. دورتين.. عشراً.. قبل أن اقررَ مغادرتها إلى الطريقِ المؤدي في نهايتِه إلى البدايةِ، البدايةُ التي التفُ معها.
ثمَ اترجلُ لاتخذَ المسارات التي سُرتُها مِن قبلُ، الخطواتُ على أثرِ ما سبَقَ من خطواتِ الأرصفةِ والأحجارِ التي تتوسدُ الممراتَ. الوجوهُ التي تقابلني هيَ الأخرى تدورُ فنلتقي في الوقتِ نفسه، أحياناً أقربُ أو أبعد.
ضحكاتُ الأطفالِ وحزنُ الموسيقا التي يترنمُ بها شاعرٌ أنجزَ قصيدتهُ للتو ورَحَلَ، موسيقا يعزِفُها الهواءُ بعيداً عني ثم يعودُ بها إلى الأذنِ الأخرى.
في كلِّ يومٍ اعتدتُ فعل الشيءِ نفسه والبابُ يفعلُ الشيءَ نفسه. المكانُ و الزمانُ أنفسهما يفعلانِ الشيءَ نفسه.
وفي المساءِ أعودُ لأجمعَ ما ينسابُ مني في قبضةِ البابِ من الجهةِ الأخرى على أملِ أنْ أفعلَ كلُ ما فعلتُ هذا اليومِ في اليومِ الذي يليهِ.
اجلسُ إلى طاولةٍ بعد العشاءِ، اقبضُ على جهازِ التحكمِ عن بعدٍ لأتابعَ في عجالةٍ ما تبثُهُ المحطاتُ في تلفازي القديم.
اقبضُ على كوبِ الشاي، اقرصُ أذنهُ لارتشفَ منهُ كما أفعلُ كلَ مساءٍ حتى كأنهُ الشايَ نفسَه.
أُرحبُ بالمللِ الذي اعتادَ أن يزورني عندَ العاشرةِ، أقول لهُ: اشعرُ برغبةٍ في كسر المقابضِ التي تتَحكمُ في المساراتِ المرسومةِ. فيبتسمُ و يدورُ حولَ كرسي الطاولةِ الوحيد ولا ينظرُ إليَّ، كأنه لا يسمعُني وَ لا يراني. هو يبتَسِمُ و يشيرُ إلى الجهةِ البعيدةِ.
اشيحُ بوجهي عنهُ لاكتشفَ المكانَ. كانت ثمةَ نسمةُ هواءٍ لطيفةٍ تغمِرُني، تأتي مِن هناكَ، هناكَ حيثُ تقفُ النافذةُ بمقبضها المكسورِ، المقبضُ الذي أنسى إصلاحه.
اقبضُ على بقاياهُ لأدفعَ اللوحَ الزجاجيَ برفقٍ، انظرُ تحتي، أقيسُ مسافةَ الوصولِ حرا هذه المرة، بطريقة لمْ اعتدها.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى