باكورة الادب الانكليزي .. جدلية في نصين


نور كظوم جواد
لم يُحرم الله عز وجل التفكير، على العكس، حث سبحانه وتعالى عباده على التدبر ملياً في كل ما حولهم حتى يصلوا او يحاولوا الوصول الى الحقيقة. ولعل بعض التفكيرات تخرج عن المألوف لكنها تبقى مجرد ارهاصات عقل بشري في لحظة ما، قد يصيب صاحبها وقد يخطأ ، كل الاحتمالات واردة!
يكتب لنا التاريخ الانكليزي عن مؤرخاً وقديساً انكليزياً اسمه «بيد» (673 ـ 735 م) شغل منصب راعي ابرشية القسيس بطرس في مقاطعة «مونكويرماوث» في انكلترا، وبغض النظر عن مساهماته الدينية فقد اشتهر القديس بيد بكتابه (التاريخ الكنائسي للشعب الانكليزي) الذي كتبه باللاتينية، لغة العلم والثقافة والدين آنذاك، واتمه قبيل موته. ما يهمنا في هذا الكتاب الذي يعد قيمة تأريخة ودينية ثمينة للشعب الانكليزي خصوصاً والأوربي عموماً هو ما رواه القديس بيد عن شاعر اسمه كادمون، فماذا روى؟
يقول القديس بيد في النسخة الانكليزية لكتابه الصادرة سنة 1907م عن مطبعة جورج بيل وابنائه اللندنية: «كان هنالك شخص في دير أنعم الله عليه بنعمة تأليف التراتيل الدينية حيث كلما تلي عليه الكتاب المقدس حول آياته الى شعر تنضح منه العذوبة والتوبة». ويضيف القديس بيد: «قد حاول الكثير من الانكليز ان يقلدوه في تأليف القصائد الدينية ولكن لم يجاريه احد لانه لم يتعلم فن الشعر من البشر وانما قد انعم الله عليه بهذه الموهبة».
وعلى اية حال، قبل ان يذكر القديس بيد كيف الهم الله عز وجل كادمون موهبة الشعر والتراتيل يقوم باعطاء نبذة عن تاريخ هذا الشخص فيوضح لنا بانه كان راعياً يعمل في الكنيسة، ولم يفقه شيئاً من نظم الشعر قبلاً، وكان كلما صار محفل تُنشد فيه التراتيل في الدير هرب حتى لا يقع عليه الدور بانشاد التراتيل.
ويشرح القديس بيد ان في احد الايام خرج كادمون كعادته من محفل تراتيل اقيم في الدير هرباً من ان ينشد ترتيلاً وذهب الى الاسطبل، وبدل ان يقوم بعمله ويعتني بالماشية استلقى على الارض لكي يرتاح قليلاً وغط في النوم، يكمل القديس بيد الرواية كالآتي: «ووقف هنالك شخص امامه اثناء نومه، وبعد ان حياه وناداه باسمه قال له: كادمون انشد لي ترتيلاً، ولكن كادمون قال له: لا استطيع ان انشد ترتيلاً ولهذا السبب تركت المحفل واتيت هنا، لا استطيع ان انشد. حينها رد عليه من كلمه: مع ذلك اريدك ان تنشد لي ترتيلاً. سأل كادمون: وماذا انشد؟ قال الآخر: انشد عن بداية الخلق. وبعد سماع هذا الجواب بدأ كادمون بإنشاد الاشعار التي تمجد الخالق تعالى، اشعار لم يسمعها من قبل وهي كالآتي:
«وعلينا الآن ان نمجد خالق المملكة السماوية
ان نمجد قوته كخالق ذو مشورة
ان نمجد اعماله المجيدة
هو الاله السرمدي خالق العجائب
هو الحامي القدير للبشرية
الذي خلق السماء لهم غطاء يقطنون تحتها
وخلق الارض».
ويختم القديس بيد الرواية بان كادمون قد اخبر مجموعة من القساوسة المثقفين في الدير عن معجزته وتلى لهم «انشودة الخلق» فقاموا باختباره حيث اعطوه ايات من الكتاب المقدس فحولها الى شعر، عندها صدقوه وجعلوه قسيساً.
الآن يمكننا القول، وكما هو مشهور في مجال الادب الانكليزي، بان كادمون هو اول شاعر انكليزي عرفه التاريخ المكتوب وان ما باتت تعرف الآن بقصيدة «انشودة الخلق» هي اول قصيدة انكليزية مكتوبة عرفها تاريخ الادب الانكليزي. لكن عندما يقرأ اي مسلم هذه الرواية فما الذي يخطر بباله؟!
بعيداً عن نظريات النقد الادبي الجديد كنظرية التناص ونظرية استجابة القارئ وغيرهما من ذوات العلاقة بهذا الصدد، يمكن القول ببساطة ان قصة كادمون، ولو من خلال اطرها العريضة، شبيهة جداً بقصة اول نزول الوحي على النبي محمد (ص)! وكما هو معروف، نقل لنا التاريخ الاسلامي بان جبرائيل (ع) نزل على النبي محمد (ص) في غار حراء وقال له «أقرأ» فرد عليه النبي الكريم (ص) «ما انا بقارئ»، وتكرر هذا السؤال والجواب ثلاث مرات، حينها تلا الوحي سورة العلق، ولو ان قرأت بعض الجدل عن الحوار وبعض ما تلاه وهذا ليس موضوعنا.
وعلى العموم يمكن ايجاز التشابه بما يلي:
اولاً، كلا النبي محمد (ص) وكادمون امتهنا الرعي. ثانياً، ومن دون الدخول بالتفاصيل، انعم الله تعالى على النبي محمد (ص) وعلى كادمون بمعجزة البلاغة. ثالثاً، ديناميكية وكيفية الحوار الذي دار بين النبي محمد (ص) وجبرائيل (ع) من جهة والحوار الذي دار بين كادمون والشخص الذي رآه في منامه من جهه اخرى. رابعاً، ان ما قبل نزول الوحي على النبي محمد (ص) والالهام الرباني الذي رآه كادمون في منامه ليس كالذي بعده فقد تغير الحال لكلا النبي محمد (ص) وكادمون. خامساً، ان قصيدة «انشودة الخلق» تشبه كثيرا بعض المضامين القرآنية ولو لحد ما، مثلاً سورة الفاتحة. وهنالك امور اخرى تتشابه لكن سنتخطاها لانها تثير الجدل العقائدي!
ولنتطرق لبعض السنوات، ففي الوقت الذي اتم فيه القديس بيد تأريخه في بداية الربع الثاني من القرن الثامن الميلادي كان الاسلام موجوداً، حيث ان الاسلام بدأ بمطلع القرن السابع الميلادي، وهنا تبرزجدلية المقالة. هل اخذ القديس بيد قصة كادمون من الاسلام؟ هل ان اول شاعر انكليزي هو عبارة عن نسخة انكليزية عن النبي محمد (ص)؟ هل كتبت اول قصيدة انكليزية من وحي القرآن الكريم؟ مجرد اسئلة لا املك لها اجابات!



