اراء

اعترافات الأستاذ محمد جواد ..

بقلم : منهل عبد الأمير المرشدي ..
كان الأستاذ محمد جواد مدرس مادة الرياضيات مغشيا عليه من قسوة التعذيب الذي تلقاه في مديرية أمن محافظة بابل بعد أن اقتاده رجال الأمن من بيته في ليلة تموزية ساخنة . كان ملقيّا على وجهه حين أجلسوه ليجد ضابط التحقيق واقفا فوق رأسه يصيح به بنبرة وقحة لا تخلو من الإهانة والشتيمة ( إعترف محمد .. لا شيء أمامك غير الاعتراف وإذا ما تعترف سنأتي بزوجتك ونغتصبها أمام عينيك .) ردَّ عليه الأستاذ قائلا .. ( أرجوك سيدي كل شيء إلا هذا .. سأعترف .. أكتب كل ما تشاء وأنا أوقّع عليه ).. ابتسم المحقّق وسأله إن كان شيوعيا أم في حزب الدعوة، أجابه إنه شيوعي فطلب منه المحقق أن يذكر له أسماء من هم برفقته في التنظيم .. ارتبك الأستاذ محمد وتردد في الإجابة فلا يريد أن يلقي التهمة على أناس أبرياء ويحمل خطيئة عذاباتهم فقال له إنه وحده في التنظيم ولا يوجد أحد معه .. قهقه الضابط بصوت ملؤه الخباثة وركله بحذائه على خاصرته وطلب منه أن يذكر لهم أسماء التنظيم الذي معه بسرعة وإلا فإنهم سيثبتوا أن زوجته وأولاده معه بالتنظيم . فاضطر الأستاذ المبتلى تحت آلام التعذيب فأعطاه أسماء ابن عمه فرحان وجيرانه عبد الواحد وصديقه وزميله أستاذ محسن . فطلب منه الضابط أن يكمل فلابد أن يكون عدد التنظيم معه أربعة على أقل تقدير . فذكر له اسم صديقه أستاذ قاسم . أعادوه الى الزنزانة ولم تمضِ سوى يومين حتى أخذوه الى التحقيق لمواجهة ابن عمه فرحان . كان فرحان في حالة مزرية والدماء تغطي جسده وكأن جلده مسلوخ من شدة التعذيب . صرخ الأستاذ محمد جواد من هول ما رأى به حال ابن عمه وتعالى صوت البكاء منه ومن ابن عمه فرحان . توجه الأستاذ الى المحقق مناشدا إياه بنبرة المظلوم الذي لا حول له ولا قوة إلا بالله العلي العظيم وقال للضابط إنه يعلم أنهم أبرياء لكن المحقق ردّ عليه بأنها اعترافاته على فرحان . ثم أعادوا محمدا الى زنزانته . لقد أتم جلاوزة أمن النظام اعتقال عبد الواحد جار الأستاذ وأستاذ محسن وأستاذ قاسم وتم إجبارهم بالتعذيب على الاعتراف بأنهم شيوعيون .. بعد شهر جاءوا وأخذوا الأستاذ من زنزانته بالإهانة والضرب فتوقع أنهم يأخذوه الى تنفيذ حكم الإعدام إلا أنهم أخبروه بأن مدير أمن بابل يريد أن يراه .. أخذوه وهم ينهالون عليه بالإهانة والشتيمة وقد تم تكميم عينيه وتقييد يديه وأركبوه في سيارة أنزلوه منها بعد ربع ساعة بالركلات والضرب . أدخلوه الى غرفة مدير عام أمن بابل فسمع صوتا ينهرهم ( ما هذا ؟ شمسوين بالأستاذ، لا يا ملاعين الوالدين .. بسيطة إلا أأدبكم . ) تم رفع الغطاء من عينيه وإزالة القيد من يديه واعتذر منه مدير الأمن وقال له ( عذرا أستاذ محمد فأنت أفضل مدرس بمادة الرياضيات في المحافظة وعندي ابنتي في الخامس العلمي وأعطتني اسمك قبل شهر ومدحتك كثيرا وهي تقول أنت أفضل مدرس رياضيات وتريد منك أن تعطيها دروسا في البيت وآني اتصلت على المكتب وأعطيتهم اسمك وطلبت حضورك لكن الأغبياء تصوروا أنني أصدرت أمر اعتقالك .!!!! ) اعتذر منه وأخبره بأن المشاغل والاجتماعات المكلف بها من (القيادة الحكيمة) أنسته الأمر الى أن ذكَّرته به ابنته وإنه سيغادر الآن الى بيته ليذهب بعد أسبوع الى بيت المدير لإعطاء الدروس لابنته . سأله الأستاذ عن مصير ابن عمه فرحان وجاره عبد الوحد وزملائه الأستاذ محسن والأستاذ قاسم الذين اعترف عليهم فطمأنه بأنهم سيخرجون بعد يومين .. وفعلا خرجوا بعد يومين لكن المصيبة أنهم قاطعوا الأستاذ محمد جواد وأساءوا الظن به وأمسوا يتجنبونه ويبتعدون عنه . لست أدري أهو سوء صدفة ظالمة أم قدر قاس أم سوء حظ ذلك الذي أدخل الأستاذ محمد جواد زنازين البعث الهدّام كما أدخل شعبا كاملا تحت ويلات الدكتاتور المقبور أم أنه قدر الله الذي لابد منه . إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوۡمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنفُسِهِمۡۗ وَإِذَآ أَرَادَ ٱللَّهُ بِقَوۡمٖ سُوٓءٗا فَلَا مَرَدَّ لَهُۥۚ وَمَا لَهُم مِّن دُونِهِۦ مِن وَالٍ .

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى