اراء

التوسط الصيني بين باكستان وأفغانستان.. أبعاد اقتصادية وأمنية وتوسع للنفوذ

بقلم: تمارا برو..

في الوقت الذي يسعى فيه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى إعادة العصر الذهبي لأمريكا عبر فرض الرسوم الجمركية والتفاوض عليها، وانشغال الإدارة الأميركية بإحياء المفاوضات حول برنامج إيران النووي فضلاً عن انغماسها في الحرب الروسية الأوكرانية والشرق الأوسط، كانت الصين تعمل لجمع حركة طالبان وباكستان إلى طاولة واحدة ورفع مستوى العلاقات الدبلوماسية بين كابول وإسلام آباد.

مع بلوغ التوترات بين أفغانستان وباكستان ذروتها، وتقارب الهند مع حركة طالبان، تدخّلت الصين للتوسّط بين أفغانستان وباكستان. فبعد أيام قليلة من المناوشات الحدودية بين باكستان والهند، استدعت بكين مسؤولين أفغانيين وباكستانيين لإجراء محادثات.

ونجحت الصين بالفعل في احتضان اجتماع ثلاثي جمع وزراء خارجية كلّ من أفغانستان أمير خان متقي، والصين وانغ يي، وباكستان محمد إسحاق دار، حيث جرى التوافق على التعاون الأمني ومكافحة القوى الإرهابية ومنع القوى الخارجية من التدخّل في الشؤون الداخلية والإقليمية، فضلاً عن إعلان توسيع الممر الاقتصادي الصيني الباكستاني ليشمل أفغانستان وهو ما كان يتمّ التحضير له منذ سنوات.

ترتبط الصين بعلاقات وثيقة مع حكومة طالبان. فمنذ سيطرة الحركة على الحكم في أفغانستان عام 2021، حرصت بكين على إبقاء قنوات الاتصال مفتوحة معها، وتبادل الجانبان تعيين السفراء بالرغم من أنّ الصين ما زالت لا تعترف بحكومة طالبان.

كما تشهد العلاقات الاقتصادية بين الصين وأفغانستان نمواً مطرداً حيث بلغ حجم التجارة الثنائية عام 2024 نحو 1.59 مليار دولار أميركي بزيادة سنوية قدرها 19%. وتمنح الصين المنتجات الأفغانية إعفاءً من الرسوم الجمركية بنسبة 100% إلى السوق الصينية الأمر الذي يوفّر لأفغانستان فرصة لتوسيع صادراتها.

وأظهرت الصين اهتماماً للتعاون مع كابول في مجالات عديدة ولا سيما الزراعة التي تعدّ ركيزة أساسية في الاقتصاد الأفغاني. حيث أعلن دبلوماسيون صينيون عن خطط لبناء ثلاث منشآت تخزين مبرّدة حديثة في ولايات كابول وتخار وبدخشان.

وقد بلغ حجم الاستثمارات الصينية في أفغانستان نحو 14 مليار دولار في قطاعات المعادن والنفط والزراعة. كما جدّدت الصين ممرّ واخان كجزء من استراتيجية أوسع نطاقاً تشمل خطط إيران لبناء ممرّ بين إيران وأفغانستان والصين.

وفي إطار التعاون بين بكين وكابول لمراقبة تحرّكات المسلّحين، تعمل طالبان مع عملاق التكنولوجيا الصيني هواوي لإنشاء نظام الكاميرات في العاصمة كابول ويجري العمل على نشر كاميرات المراقبة في أنحاء واسعة من البلاد.

أمَّا على الصعيد الاقتصادي، فلبكين أطماع كبيرة في هذا البلد الغني بالمعادن النادرة التي تحتاجها الصين لإنعاش اقتصادها. كما تحظى أفغانستان بأهمية خاصّة ضمن مبادرة الحزام والطريق الصينية بسبب موقعها الاستراتيجي وثرواتها الهائلة.

كما أنّ حركة طالبان كانت تعتمد بشكل أساسي على الصين بعد الانسحاب الأميركي عام 2021، أما الآن فهي تنوّع علاقاتها مع العديد من الدول كروسيا وإيران والهند التي زارها نائب وزير الداخلية في حكومة طالبان إبراهيم صدر مؤخراً، كما أجرى وزير الخارجية الهندي، سوبرامانيام جايشانكار، اتصالاً هاتفياً بوزير الخارجية الأفغاني، أمير خان متقي، أكدا خلاله تعزيز العلاقات بين بلديهما في مجالات عديدة تشمل الاقتصاد والتجارة والسياسة.

هذه الجهود الهندية لتعزيز علاقاتها مع أفغانستان أثارت قلق بكين التي عملت على تخفيف حدة التوترات بين أفغانستان وباكستان، وأثار التقارب الهندي الأفغاني قلق باكستان التي كادت أن تندلع حرب بينها وبين نيودلهي على خلفيّة هجوم مسلّح وقع في إقليم كشمير التابع للإدارة الهندية.

ومن المحتمل أيضاً أن لا يسمح ترامب للصين باستغلال الموارد المعدنية في أفغانستان في ظل التنافس الصيني الأميركي.

أدركت الصين أنّ بقاء الأوضاع متوترة بين حركة طالبان وباكستان ليس من مصلحتها، كما سارعت إلى تعزيز علاقاتها مع حركة طالبان وضمّ أفغانستان إلى الممرّ الاقتصادي الصيني الباكستاني لقطع الطريق أمام أيّ قوة تريد أن توسّع نفوذها في أفغانستان.

إنّ نجاح الصين في التوسّط بين أفغانستان وباكستان من شأنه أن يساهم في تعزيز دور الصين إقليمياً بعد نجاحها في التوسّط بين السعودية وإيران في العام 2023، وعندما توترت الأجواء بين إيران وباكستان العام الماضي سارعت الصين إلى عرض وساطتها بين البلدين. ولكن إلى أيّ مدى ستنجح الصين في توسيع حضورها في أفغانستان وباكستان في ظلّ التنافس الصيني الأميركي من جهة والتنافس الصيني الهندي من جهة أخرى؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى