لوحات “صادق كويش”.. الانتماء الى جنوبيته الموغلة في القدم

رحيم يوسف..
الفنان التشكيلي صادق كويش ومنذ معرض “سيرة حياة رأس” الذي استلهم فيه تلك الأسطورة وحتى الآن بقي منتمياً لجنوبيته، على اعتبار ان تلك الأسطورة هي واحدة من منتجات الجنوب الحضارية الضاربة في عمق التأريخ، هذا الانتماء الذي بقي ملازماً لجزء مهم من تجربته عبر استلهام روح الجنوب وإعادة تمثلها في المشاريع الفنية التي قدمها ويقدمها عبر عشرات المشاريع الفنية التي امتدت لمدة جاوزت الأربعين عاما، وعرض فيها تلك المشاريع في مختلف دول العالم ولاقت ما تستحق من الرواج والتلقي، ولا أظن أن بإمكاني ذكر تلك المشاريع بالتفصيل إلا لعدد محدود منها.
عندما أتأمل أعماله لا أملك سوى الانحياز لها، والانحياز هنا يتخذ طابع الانتماء، فمثلما ينتمي الى جنوبيته، فانا كذلك لا استطيع الفكاك من ذلك الانتماء، لأستعيد صورة أبي التي لم ولن تفارقني حتى الممات، بعقاله الاسود الفاحم الذي يمتد صوب السماء المفتوحة على أحزانه المستديمة، تلك التي رافقته من شهقة الولادة بين القصب والبردي حتى رحيله الأبدي وهي الأحزان التي دبغت جلده بسمارها، وغضنت تقاطيعه، استعيد قساوة ايامه في الليالي حالكة الظلام وهو يستنشق دخان (الكوانين) بانتظار بزوغ الفجر ليسحب (دوشته) التي لا يملك سواها منتصبا بثوبه المهلهل المليء بالثقوب التي خلفتها شرارات الجمر المتطايرة في ليالي صبره الطويل وهو يسعل من أثر الدخان الذي تكلس وتحول الى طبقات في رئتيه العليلتين، بينما يسيل الدمع عبر أخاديد الحزن على خديه وهو يحرق جفنيه أو استعيد النواح السومري الذي يتردد بين القصب والبردي، وهو ذات النواح المنطلق من القصب والبردي حينما تخللهما الرياح، وهما يطلقان أصوات ملايين النايات في الليالي الموحشة التي تمر بطيئة جدا.



